مقتطفات صحفية 38

·       ألزمت نفسي في كل ما أكتب بأنني حين أريد الاستشهاد بآية كريمة أو حديث شريف لا أعتمد على الذاكرة، فقد جلَّ من لا يخطئ، والخطأ هنا لا يجوز، ولذلك أعود إلى القرآن الكريم وكتب الحديث لأنقل الآية أو الحديث بنصهما الصحيح، حتى لو كانت الآية من قصار السور، أو كان الحديث مما هو شائع كثيراً.

أورد أحد الكتاب وهو سياسي لبناني يزين اسمه بلقب “دكتور” قول الـلـه سبحانه وتعالى في الآية 22 من سورة الغاشية “لست عليهم بمسيطر” لكن الدكتور أخطأ في الاعتماد على ذاكرته، فكتب “بمصيطر” والسبب أن الحروف يتأثر نطق بعضها ببعض مجاور لها، تعرفون مثلاً أننا قد نجد صعوبة في التمييز بين “السوط” و “الصوت” إلا إذا حرص المتكلم على إظهار السين في الكلمة الأولى. وهكذا كتب الآية كما يحفظها بنطق غير صحيح.

·       يستسهل بعض الكتاب اختراع كلمات يظنونها تعبر عما يريدون، أو أن يلجؤوا إلى العامية دون الإشارة إلى عاميتها. أحد الكتاب قال في عنوان مقالته “المستغطي” أي من يطلب الغطاء، وهذه ليست صحيحة ولا من العامية، فالعامة تقول “المتغطي” وليس في الجذر “غطي” واشتقاقاته ما يسمح بأن نقول “المستغطي” ونحن نقصد “المتغطي”

·       قلت كثيراً إنني أعتب على الكبار لأنهم قدوة. قال أحدهم “من عطوبة هذا العالم” حسناً، فهمنا أنه عالم أصابه العطب ولكن! هل الكلمة صحيحة؟ عندما نقول العطب فإننا نعني الخلل القابل للإصلاح، لكنه في الأصل يعني الهلاك، فإذا أصاب العطب دابة فإن هذا يعني أنها هلكت، أو أنها لم تعد قادرة على السير فتنحر. ومن الطريف أن البدو والريفيين يقولون “العُطبة” وهي القطنة فيها نار، وهذا فصيح، والعُـطـُب والعطـْب: القطن، والواحدة عُطبة.

·       نبهت كثيراً إلى الأخطاء في باب “النسبة” وهي باختصار شديد وصف الشيء عن طريق نسبته إلى شيء آخر، كأن تقول: دمشقي وقطري وعراقي وتونسي وهكذا. وتكون النسبة بإلحاق ياء مشددة بآخر الاسم. وللنسبة قواعد شتى لا يتسع المجال لها، لكننا نركز على أمر واحد هو أن النسبة تكون دائماً إلى المفرد، ولذا فإن من الخطأ ما نسمعه من بعض الناس حين يقولون “المطار الدُولي” فقد نسبوا إلى الجمع، والصحيح “الدَوْلي” نسبة إلى الدَولة. ومن الأخطاء الشائعة القول “صُحفي” وبعضهم يقول “صحافي” وكلاهما خطأ، والصحيح “صَحَفي” نسبة إلى صحيفة، كما نقول “مدَني” نسبة إلى مدينة.

·       دعوت كثيراً إلى الابتعاد عن الكلمات المغرقة في معجميتها ولا يكاد أحد يستعملها، فما بالك بقراء الصحف وهم ما يمثل العامة، حين نقول “التقعر بين العامة كاللحن بين الخاصة”. واللغة مليئة بالمترادفات، ومن السهل على الكاتب اختيار المفردة التي يفهمها سواد الناس الأعظم. قرأت في مقال لأحدهم “نجحت في دحض الاتهامات المفتئتة على حياديتها” وليس هذا خطأ ولكنه تقعر، بل إن قراءة الكلمة تبدو صعبة، فما معناها؟

افتأت فلان على فلان افتئاتاً فهم مُفتئِت، وذلك إذا قال عليه الباطل، وقيل إذا اختلق الكلام ونسبه إلى الآخر، وثمة معنى آخر بعيد عن هذا وعما أراده الكاتب، فهل كان من الصعب على الكاتب أن يقول”في دحض الاتهامات التي تتهمها زوراً بعدم الحيادية”؟ وحتى كلمة “دحض” قد تبدو غير مناسبة لمقال سياسي، وكان الأفضل للكاتب أن يكتب “في تكذيب الاتهامات”

·       إذا لم يكن الكاتب متمكناً من لغته العربية فإنه يأتي بالمضحكات. قالت إحدى الكاتبات المشهورات “ولكن الأم نظرت إلي شذراً” والحقيقة أن كلمة “شذر” ترد كثيراً في الكتابات العربية قديماً وحديثاً، فما معناها؟

الشذْر: قطع من الذهب يلقط من غير إذابة الحجارة، أي يوجد في الطبيعة صافياً، وليس تبراً جرى استخلاص الذهب منه، وقيل: الشذر صغار اللؤلؤ، أو ما يصاغ من الذهب للفصل بين اللؤلؤ والجوهر. وتشذّر القوم: تفرقوا، وذهبوا شذَر مّذَر، أي ذهبوا في كل اتجاه.

 أما ما عنته الكاتبة ولم توفق في اختيار الكلمة فهو “نظرت إلي شزْراً” ونظر شزر: نظر فيه إعراض كنظر المعادي المبغض.

·       كتبت مرة عن زميل لي في المكتب عندما كنت موظفاً قال: حتى خلت من دارنا النار (من مسرحية مجنون ليلى) والمؤسف أنه كان يدرس الأدب العربي في الجامعة العربية في بيروت، وصححت له قائلاً: لقد عكست الآية، فالتي خلت هي الدار، السنا نقول: خلت الدار من سكانها؟

تذكرت هذا قبل أيام حين قرأت عنواناً في الصحيفة “دعا لتجريد الجنسية منهم” وهذا خطأ تركيبي فظيع، لأننا نقول: جرَّده من ملابسه، ولا نقول: جرد ملابسه عنه أو منه، والأصل: جرَد الشيء أي قشره، وجرد الجلد: نزع عنه الشعر، ورجل أجرد: لا شعر عليه، ومكان أجرد: لا نبات فيه، ألسنا نقول أرض جرداء؟ وسماء جرداء: ليس فيها غيم. وجرَّد مثل جرَد، والتجريد: التعرية من الثياب. بعد هذا كله وثمة كثير غيره، هل نقول: جرده من ملابسه؟ أم نقول: جرد ملابسه؟

·       يخطئ معظم السوريين في قراءة الكلمات المنتهية بتاء مربوطة “ة” مثل: الحياة، الجُناة، العصاة، فيقرؤونها كأنها تاء مبسوطة فتصير: الحيَات، الجُنات، العُصات. وحكم هذه التاء كما يعرف تلاميذ الابتدائي أنها تصير “هاءً” عند الوقف عليها. وأخطأ كاتب نجم تلفزيوني خطأ معاكساً فقال إن إسرائيل تحاول منذ سنوات طويلة استعادة “رفاة” الجاسوس الأشهر إيلي كوهين الذي أعدمته سورية في منتصف ستينات القرن الماضي، وفات الكاتب أن الكلمة “رفات”  ورفت الشيء حطمه وكسره ودقّه فهو رفات وهو الحُطام من كل شيء تكسَّر. ورُفت الشيءُ فهو مرفوت، ونتذكر أن الإخوة المصريين يستعملون هذه الكلمة بدلاً من “مرفوض” تسمع المدير بقول للموظف: إنت مرفوت، حتى إنهم اشتقوا منها فعلاً: رفتـُّه، ورفتـَه ورفتوني، فهل هو ترقيق للضاد فصارت تاء؟ أم هم عنوا المعنى الأصلي فكأن من يطرد من عمله كُسر وتحطم حتى صار رفاتاً؟ يذكرني هذا بأن السوريين يقولون “عم يركُد ركْد” وبالطبع يقصدون “يركض”

·       عبثاً آمل أن يدرك السادة الكتاب أن الضمير المتصل “ـه، ـها، ـهم، ـهن، ـهما” يجب أن يعود على اسم سبقه، واقرؤوا القرآن الكريم نبع الفصاحة والبلاغة، ولا نستثني من هذا سوى قولنا “وقال تعالى” أو أي تعبير آخر، لأننا نعرف أنه يعود على لفظ الجلالة المحذوف، وكذلك “وقال صلى الله عليه وسلم” لأننا ندرك أن المعني هو النبي محمد، وهل تجوز الصلاة والسلام إلا عليه؟ لكننا لا نقرأ في التراث العربي كله مثل هذه العبارة “وفي قصيدته الرائعة قال الشاعر” أما في المقالات التي تنشر هذه الأيام فما أكثر ما يمر بنا هذا حتى عندما يكون الكاتب من كبار الكتاب ومخضرميهم.

 


أسباب تخلفنا وتقدمهم

نبحث بمرارة عن هذه الأسباب حين نقرأ أن عدو العرب الرئيسي إسرائيل في المرتبة السادسة بين دول العالم في تصدير السلاح، وكم قرأنا في السنوات الماضية أن إسرائيل وقعت عقداً مع تركيـا بمئات ملايين الدولارات “لتحـديث” سـلاح الجو التركي، ووقعت مثلـه مع الصين، وأن إسـرائيل صنعت أقماراً صناعية لصالح هذه الدولة أو تلك، وطبعاً تمتلك إسـرائيل بضعة أقمار صناعية تجسـسية صنعـتها بنفسها ولم تسـتوردها. ونبحث عنها حين نقـرأ أن ثمانية من علماء إسـرائيل في العلوم التطبيقية، فازوا بجوائز نوبل، وأن إسرائيل في المرتبة 4 دولياً في نشـاط البحث العلمي (عـدد البحوث العلميـة لكل مليون مواطن 6309 بحـوث، وهو عـشـرة أضعاف النسـبة العالمية) وأن إسـرائيل تنفق 2’4% من الناتـج المحلي على البحـث العلمي (وهي أعلى نسـبة في العالم) وبلغت 4’9 مليار دولار، وللمقارنة تـنفـق الدول العربيـة مجتمعة 535 مليون دولار، وهـكذا احتلت إسـرائيل المرتبة 18 بيـن 188 دولة على مؤشـر التنميـة البشـرية للأمم المتحـدة لعام 2015م، بـينما حلـت مصر التي تعتبر نـفسـها زعيمـة العالم العـربي في المركـز 108 وحيـن نقارن أنفسـنا بدول العالم، لا بالولايات المتحدة ومثـيلاتهـا، بل بـدول مثـل كوريا التي كانت في الخمسـينات دولة فـقيرة تعـيش على المسـاعـدات، وهي الآن خامس اقـتصاد في العالـم، ومثـل ماليـزيا التي ظلت دولـة فـقيرة حتى 1980، بل بفييتنام التي دمرت مراراً أثـناء حرب التحرير الفـييتنامية وهي الآن تزدهر اقـتصادياً، وادرسوا مثال سنغافورة التي تنفق 6،2 مليار دولار على البحث العلمي، وانظروا مكانتها اليوم.

ماذا ينقـص “الوطـن العربي” ليحقـق التـقدم والازدهـار؟ إن لديـه الأرض الخـصبة المتـنوعـة والمناخ المتنوع، ولديه الطاقة، ولديه العـقول البشـرية المبدعـة، تذكروا الذين يبدعـون في بيئة صحية صحيحة، ولديه القوة العاملة، ولديه جميع الخامات اللازمة للصناعـة، فلماذا لا ينهض؟

الشرط الأول أن تتكامل الدول العربية، ليس في اتحاد سـياسي، بل في تكامل عـلمي صناعي، وأن تتغير مناهج التعليم التي عفا عليها الزمن، فلا يمكن أن يبدع العـقل ونحن ما زلنا نربيه بالتلقين، وأن نضع خططاً علمية لزيادة الإنفاق على البحث العلمي وتشجيع الباحثين، وأن تجد أبحاثهم طريقها إلى التطبيق والتصنيع، وأول ما كان علينا الاهـتمام به الصناعات العسـكرية، إن إسـرائيل تخصص 30% من ميزانية البحث العلمي للصناعات العسـكرية، ولن ننتصر ما دمنا نعتمد على العالم في تسليحنا، فمن يبيعنا السلاح يتحكم به.

إن عـلينا أن نغـير اهـتماماتـنا الحاليـة التي تركز عـلى الترفـيه والتسـلية و”قشـور الحضارة والمدنية” إلى التركيز على العقل المبدع والعلم، وكل ما عدا ذلك يأتي لاحقاً.


دولة رئيس وليست دولة مؤسسات

كلما جرى الحديث عما سـيفعله هذا الرئيس الأمريكي أو ذاك، خرجوا عـلينا بالقول الذي يفحم الجميع “الولايات المتحدة دولة مؤسسات وليست دولة رئيس، وإن كان النظام رئاسياً” فهل هذا هو الواقع؟ وإلى أي مدى تتحكم المؤسسات لا الرئيس برسم السياسات؟

يحيط الرئيس نفسه بالعدد الكافي من الموظفين (يحق له تعيين 4500 موظف) ويعين السفراء وقضاة المحكمة العليا، ويكفي أن له حق نقض قرارات الكونغرس والامتناع عن تنفيذها. ومن حق الكونغرس العـودة إلى هـذه القـرارات، ولكن هذا يحتاج إلى موافـقة ثلثي أعضاء مجلسـي الشـيوخ والنواب، وعبر السـنين لم يتحقـق هذا إلا في 7 – 11 % من القـرارات التي نـقضها الرئيس. على سـبيل المثال تقوم الآن ضجة حول نقل السفارة الأمريكية إلى القدس. هذا القرار ليس جديداً، فـقد وافق عليه الكونغرس ووضعـه أمام الرئيس عام 1995، ولكن ثلاثة رؤسـاء أمريكيين (كلنتون وجورج بوش الصغير وأوباما) رفضوا توقيعه، ولم ينفذ.

في عام 1956 قامت فرنسا وبريطانيا وإسرائيل بعدوان على مصر، واتخذ الرئيس آيزنهاور موقـفاً حازماً من ذلـك العـدوان، وكان لموقـفه أثر كبير في إنهـائه، كما كان لموقـف الاتحـاد السوفييتي أثر أيضاً، ولعل الولايات المتحدة كانت تخطط لوراثة فرنسا وبريطانيا في الشرق الأوسط.

في عام 1991، وفي أعقاب تحرير الكويت من الاحتلال العراقي، دعت الإدارة الأمريكية إلى مؤتمر مدريد للسـلام في الشرق الأوسط، وكانت إسـرائـيل تأمل أن يرفـض العـرب (ولاسـيما سـورية) حضـور المؤتـمر، وفوجـئت بأنهـم جميعـاً وافـقوا، وبدأت المـراوغـة، ولكن الرئيس جورج بوش الأب هدد بوقف قروض ائتمانية لإسرائيل قيمتها 10 مليارات دولار، فاضطرت إلى الموافـقة وحضور المؤتمـر، وإن كانت مراوغاتها ثم المباحثات السـرية بين ياسـرعرفات وإسرائيل في أوسلو جعلت مؤتمر مدريد بلا معنى.

ولنلاحـظ مدى تأثير الرئـيس على السـياسـة الخارجـية: ورط الرئيـس جـورج بوش الولايـات المتحدة في حربـين في أفغانسـتان والعـراق كبدتا الخزانة أكثر من 3 تريلـيونات دولار، وجاء أوباما فانسحب من البلدين وقدمهما على طبق من ذهب إلى إيران، وقد عشنا جميعاً نتائج تردد الرئـيس أوباما وتراجـعه عن قراراته، بل بدت سـياسـته كلها تراجعاً عـما وعد به أثـناء حملته الانتخابية، وفي خطابيه في أنقرة والقاهرة.

ينص الدستور الأميركي في البند الثالث من مادته الثانية على أن الرئيس يُطلع الكونغرس “من وقت لآخر” (وليس دائماً)على ما يجري، لكن بسبب أن مضمون المادة ليس محدداً بدقة، أصبح التقليد يتجسد في إلقاء الرئيس خطابا سنوياً بمقر الكونغرس في جلسة مشـتركة بين إدارة البيت الأبيض ومجلسي النواب والشيوخ، بحضور قضاة المحكمة العليا.


لم يخرجوا من حارة نجيب

كتبت مـرة في ذكرى نجيب محفـوط “كلنا خرجـنا من حارة نجيب” إشـارة إلى روايته “أولاد حارتنا” وإشـارة أيضـاً إلى قـول دسـتوفـسـكي في رثاء جـوجـول “كلـنا خـرجـنا من معـطـف جوجول” وكان يشير إلى قصة جوجول البديعة “المعطف”. لكنني كتبت مرات أن اثنين عـلى الأقل من الروائيـين العرب لم يتخـرجا من مدرسة نجيب محفوظ، وقد كسـرا القواعد المألوفة في شـهرة الأدباء، فـقـفزا منذ العـمل الأول لكل منهـما إلى الصـف الأول: الطـيـب صـالح في روايتـه “موسـم الهجـرة إلى الشـمـال” وعـبد الرحـمن منيـف في روايتـه “الأشـجار واغـتيـال مرزوق”.

في ديسـمبر 1978 أرسـلتني إذاعة دمشـق إلى بغداد، وكان من أسـباب سـعادتي بتلك الزيارة أنني سـألقى اثنين من عـظماء الأدب العربي (وقد لقيتهما): جبرا ابراهيم جبرا، وعبد الرحمن منيـف الذي مـرت ذكرى وفاتـه الثالثة عشرة في 24 يـنايــر دون أن أقـرأ عـنه سطراً واحـداً (ولد في 29/5/1933) فكأنه لم يكن مالئ الدنيا وشاغل الناس.

كانت روايته الأولى (1973) قد فتنتـنا، أما روايته الثالثة “شـرق المتوسـط” فقد أذهلت الناس قراءاً ونقاداً، وما زالت مع جزئها الثاني ” الآن هنا (أو شرق المتوسط مرة أخرى) فريدة بين الروايات العربية. وتابعـنا بعد ذلك رواياته التي بلغـت 11 رواية، من أهـمها روايته الملحمية “مدن الملح” بأجزائها الخمسة، وملحمته الأخرى” أرض السواد” ثلاثية الأجزاء. كما تابعنا له مجموعـتين قصصيتين وعشـرة كتب أخرى. والغـريب أن الراحل كان دكتوراً في اقتصاديات النفط (1962).

كان عبد الرحمن منيف تجسيداً حياً للوحدة العربية: أبوه سعودي وأمه عراقية، ودرس وعمل في الأردن والعراق ومصر ولبنـان وسـورية، حتى اسـتقر في بغداد ثم في ســورية التي مات فيها، وقد تجسد هذا في كتبه كلها، فأنت أمام رجل “عربي” النسب والنشـأة والملامح “عربي” الإبداع والاهتمامات، مهموم بهموم أمته وقضاياها، لا بهموم هذا البلد أو ذاك.

من أجمل ما تـرك لنـا الراحلان جبرا إبراهيم جبرا وعبد الرحمن منيف عمـل روائي عجيـب “عالـم بلا خرائـط” (1982) وهـو بتوقيع الأديبين معاً، في تمازج أدبي رائع، بحيث يصعـب أن تعـرف متى كتـب هـذا ومـتى كتـب ذاك، وإن كان أحدهـم قد ادعى مـرة أنه واجـه جبـرا باكتشافه أين بصمته وأين بصمة عبد الرحمن، ولم أصدق.

لا تتسع هذه الزاوية للحديث عن أدب عبد الرحمن منيف ورواياته وإبداعه، لكنني لا أستطيع أن أمنع نفسي من أن أحزن كثيراً عندما تمر ذكرى رجل كهذا فيتجاهله الإعلام العربي كله، بيـنما ينشـغل هذا الإعلام دائماً بأخبار المتراقصـين والمتراقـصات والزاعـقين والزاعقات، وحسبك Arab Idol.


لو كان الفساد رجلاً لقتلته

كم هـو مؤلم أن نقـرأ أن 90% من الدول العـربية حقـقت أقـل من 50% عـلى مؤشر الفسـاد والشـفافية؟ وأن 6 دول من الدول العـشـر الأكثر فسـاداً في العالم عـربيـة؟ وأن معـظـم الدول العـربية تـتراجع سـنة بعـد أخرى، مع أن أغلب الحكومات العـربية تـقول إنها “تكافح الفـسـاد وتقدم مرتكبيه للمحاكمة”؟ ليسـت هـذه تـقارير صحفية مغرضة، بل خلاصـة تـقريـر منظمة الشـفافية الدولية لعام 2016. هـذه الدول هي: سوريا والعراق والصومـال والسـودان واليـمن وليبـيا. ولا يعـزينا أن أربع دول فـقط في الاتحـاد الأوروبي تحسـنت فيهـا معالجة الفساد في القطاع العام منذ العام الماضي، وأن سـت دول من الاتحـاد الأوروبي هي: إيطالـيا ورومانيـا واليونان وبلغـاريا وهـنغـاريا وكرواتـيا، نالت عـلامة أدنى من 50 نقـطة من أصـل 100 في تصـنيـف الفـسـاد. وذكر مديـر الشـفافـيـة الدوليـة في الاتحاد الأوروبي كارل دولان أن لـدى الاتحاد الأوروبي أزمة فساد تلتهمه بـبطء من الداخل ” فيما قادة الاتحاد الأوروبي مشـغولون بأزمات أخرى مثل تدفـق اللاجئـين من سـوريا والبريكسـيت والأعمال الإرهابية الوحشية”.

ما هي آليات مكافحة الفسـاد لتحقيق الشـفافية؟ تحددهـا المنظمة:”وضع حـد للفـسـاد السياسي،  إرادة سـياسـية فاعـلة في تحقـيق الالتزامات (التعاقـدية) الدولية (في مجال المكافحة)، ضمان حق حريـة الرأي والتعبـير والمسـاءلة، ووضع حد للضغوط على مؤسـسـات المجتمع المدني والنشطاء والمبلغين، استقلال القضاء من أجل محاسبة الفاسدين واسترداد الأموال المنهـوبة” وقال “خوسيه أوغاز” المدير في منظمة الشفافية الدولية:”في الكثير من الدول الناس محرومون من احتياجاتهم الأساسية الملحة، وينامون جائعين كل ليلة نتيجة الفساد، فيما أصحاب السلطة والفاسدون يتمتعون بالحياة المترفة والحصانة”.

وجاء في التقرير، أن أداء كل من الدنمارك (91) ونيوزيلاندا (90)، تليهما فنلندا (89) ثم السويد (88) “والمشترك بين هذه الدول، رغم أنه لا تخلو دولة تماماً من الفساد، هو وجود حكومات شـفافة، وحرية صحافـة، وحريات مدنية، ونظم قضائية مسـتقلة” وللمقارنة حققت الولايات المتحدة 74 نقطة، وتركيا 41 نقطة، فيما بقيت روسيا عند 29 نقطة.

دولة الإمارات الأولى عربياً و24 عالمياً، الأردن 3 عربياً، 57 عالمياً، السعودية 62 عالمياً  عُـمان 64، البحـرين 70 الكويت وتـونس 75 المغـرب 90 الجزائر ومصر 108 لبنـان 136 موريتانيـا 142 العـراق 166 اليمن وليبـيا والسـودان 170 سـوريا 173.

نهنئ قطر بأنها الثانية عربياً و31 عالمياً، ونتحفظ  على هذا، (كانت 21 العام الماضي 61 نقطة)، لأن السبب الذي قـدمته المنظمة ثبت بطلانه، وهو ما سـمي فضيحة الاتحاد الدولي لكرة القدم والتحـقيقات بشأن قرار منح الدولة حق تنظيم مونديال عام 2022.


لا والـلـه لا نسلو

من أجمل قصائد الغزل في الشعر العربي قصيدة ابن زيدون “أضحى التنائي” وهي درة قل من جاراها، وقلت وأقول: إن ابن زيدون كان يبكي امرأة، حتى وإن كانت ولّادة بنت المستكفي، أما نحن فنبكي وطناً، وكما قال موال عراقي “واللي مضيع وطن وين الوطن يلقاه” والشام كالمعتاد دمشق، والشام سورية كلها

____________________________________

لا الـدهـرُ يُسـعِـف، لا الأيـام تُـنـبـيـنا     إلا بــوَيـْـلٍ وقـد تـاهــت أمـانــيـــنــــا

والـشامُ قـد بًعُـدت، والحُـلـمُ زَوْرتـُهـا     إذ ذاك تـهـمي عُـطـورٌ في لـيـالـيـنـــا

كـم قـد نهَـلـنــا جَـمـالاً مـن مـنـابـعــِه    وِرْدُ الـشـآم مُـنى، والدهـرُ يُـظـمـيـنــا

فـاحـت زنابـقُ والـجُـوريُّ جـاورهـــا    كـلٌّ بـِعـطـرِ شــآمِ الحُـسْــن يُـغـريـنـا

هـل يُسـتـعـاد شــبـابٌ في مـرابـِعـهــا    يحـلـو الغـناءُ ومرأى الحسـن يكفـيـنـا

نـشــمُّ ورداً زهـا والـيـاســمـيـن غـفـا     نـتـلــو قـصـائـدَنــا زهـراً ونـســريـنـا

والأرض تـضحـك مـن لهـوٍ تـجـاذبُنا     وضـحـكةُ الأرض نـلـقاهـا ريـاحـيـنـا

كــأنّ ربـّـي بــراهـــا في تـفـَـرُّدِهـــــا    مِـسـْكاً، وأنشـأ أرضاً غـيـرَها طـيـنـا

يا طـيـبَ نـبـعٍ نهـلـنا مـنـه في بـردى     في الحُلـم يرجـِعُ ذاك النـبـع يسقـيـنـا

والشـام تـلهـو ومِـلْءُ العـيـن بهـجـتـُها    ذاك الـبهـاءُ عـن الـفِـردَوس يُـغـنـيـنـا

في الحُـلـم تصحـو وذكراها تـؤرِّقـُـنـا    لا شيءَ عن عشـقِ حُسن الشام يَثـنـينا

كـأنـّـمـــا الـلـه لم يـخـْـلــقْ بـقـُـدرتـِــه    إلا شـــآمـاً لـدنـيــا الـنــاس تـزيـيــنــا

نـكــادُ حـيــن تـناجـيـهـــا قـصــائـدُنــا    يـقـضي عـلـينا الأسـى لولا تـأسـِّـيـنـا

يا أهـلَ شامٍ وطيبُ العـيش في خلـَدي    ذكـرى تهـيـج بنـا والـشـوق يُـبـكـيـنــا

ونـحـن بالـقـلب لا بالعـيـن نـبـصـركمْ    حـتى نـكـــادَ هـوىً تـمـتـــدُّ أيـديــنـــا

هـل قــدَّر الـلـه أن نـبـكي بـغـُـربـتـنـا    فــيـمْــلأ الـدمـــعُ هـطــّالاً مـآقـيــنــــا

مـا عـاد لـلعـيش طـعـمٌ بعـد فـرقـتـنــا    لـن يـفــرح الـقـلـب إلّا في تـلاقــيــنـا

هـل نُكثـر الآمـال إذ نـرجـو لـقـاءَكُـمُ؟   وهـل حــرامٌ بـذي الـدنـيـــا تـدانـيـنــا؟

قـالـوا بـإفــْكٍ نسِـيـنـا طِـيـبَ ذكـرِكُــمُ    لـســنـا وحـقِّ إلــهِ الـعـرش نـاســـيـنـا

أسـتـغـفـر الـلـه، لـو أجســادُنـا بَلِـيـتْ    لـُـقـْـيـا شــآمٍ كـتـريــاقٍ ســـيُـحـيـيـنـــا

إنــّا بعُـدْنـا فـمـا غـابـت مـحـاســنـهــا    حـبُّ الـديــار غـدا في شـرْعـِنا ديـنــا

إنْ كان جسـمٌ نـأى فالـقـلـب مُـرتـهَـنٌ    إنّ الـمُـحــالَ بذي الـدنـيــا تـجـافـيـنـــا

نحـيـــا نُــؤَمـِّـلُ أن نـلـقـى أحـبَّـتــنـــا    فـلْـيَصـمُـتِ الـبُـومُ ولـيخـسَـأ أعاديـنــا

لـقـد صـبـرنا وذُقـْـنـا الـمُـرَّ حـنـظـلـَه    نـرجـو لـقــاءً بـه الـدنـيـــا تُـكافـيــنـــا

لـم يـبـْــقَ إلّا دُعــاءٌ نـحــنُ نـرفـعــُـه    إلى الإلـــه فـقـــولــوا بعــْــدُ آمـيــنـــا


يرحل غير مأسوف عليه

في 4/6/2009 ألقى أوباما خطاباً في القاهرة، وكتبت في 6/6/ 2009 أنه “مارس فن بيع الكلام بصورة مثالية، ولم يكن ينقص الذين كانوا في استقباله ويسمعونه سوى ان يزغردوا ويهللوا ويكبروا لأنه امتدح الاسلام (هل هان علينا الإسلام إلى درجة أن ننتظر شـهادة من أوبامـا وغـيره؟) ولأنـه أشـار الى حل الدولتـين، وإلى منع الاسـتـيطان، ولكنه لم يحـدد أي اسـتيطان يعـني؟ هـل يجرؤ على تأكيد أن عـلى إسـرائيل أن تعـود الى حـدود 4-6-1967 وبالتالي فإن جميع المستوطنات غير شرعية؟”

وها هو أوباما يودع البيت الأبيض بالإعراب عن «قلقه العميق» إزاء النزاع الفلسطيني – الإسـرائيلي» لأنه يعتـقد «أن الوضع القائـم لا يمكن ان يسـتمر، وأنه خطر على إسـرائيل وسيء للفلسطينيين وسيء للمنطقة وسيء لأمن الولايات المتحدة» ولكن هذا الرئيس القلق لم يقدم للعرب والفلسطينيين سوى الكلام.

وكتبت “يريدنـا ان نبني الثـقة، وأن نـتعامل مع إسـرائيل. يريد من العـرب والمسـلمين أن يـطبعـوا علاقاتهـم معهـا، مقابـل ماذا؟ لا شـيء سـوى ضـرورة التعـايـش بـين الشـعـوب والأديان. وعندما أراد إدانة العنف وقـتل المسـلمين لم يجد الا البوسنة ودارفور، بينما كاد يبكي على المدنيين الاسرائيليين الذين تروعهم حماس”

وكتبت “ تحدث عن ضرورة خلو العالم من الأسلحة النووية. لكنه لم يجرؤ على القول إن منطقـة الشـرق الأوسـط يجب أن تـكون منطـقة خاليـة من الأسـلحة النووية؟ مع العـلم ان تفكيك أسـلحة إسـرائيل «وهي وحدها النووية» أسهـل بكثير من اخلاء العالم” وملأ الدنيا ضجيجاً لأنه وقع اتفـاقاً نووياً مع إيران، لكنه غض البصر عن نشـر إيران القـتل والدمار في الشرق الأوسط، وتخلى عن أصدقاء بلاده لعقود.

ربما قدم أوباما للشـعب الأمريكي بعـض الإنجازات، لكن الكونجرس الجمهوري وخلفه ترامب له بالمرصاد، في مقابل سياسة خارجية متراخية متذبذبة تميزت بالكثير من الكلام والقليل من الفعل. ويهتم المواطن بطريقة غـير مباشرة بسياسة بلاده الخارجية، أما أوباما فـقد خـذل الأصدقاء والحلـفاء في محاولة اسـترضاء الأعـداء، ولم ينجح.

يهتـم المواطن بهيـبة بلاده وسـمعـتها وقـوة أدائها في العالـم، وإلا لمـاذا تسـمى الولايات المتحدة القـوة العظمى الوحيدة؟ وسـيشعر المواطن الأمريكي بالقهر حين يرى بلاده وقد تحولت إلى دولة تابعة لا متبوعة. بدا وزير خارجيته كيري الطائر دائماً قزماً إلى جانب لافروف الذي كان يزداد غـطرسـة كلما ازداد كيـري تخـاذلاً، ويشـعر بالقهـر حين يرى إيران تـفرض شـروطها، وكم هـو مذل أن تدفع الولايات المتحـدة فديـة لإطلاق سـراح بحارتهـا الذين خطفتهم إيران.

بدأ أوباما بشعار “نعم نستطيع” وختم عهده بالقول “نعم فعلنا” وليته ما فعل.


متى نتخلص من هذه الآفة؟

كان رسـول الـلـه صلى الـلـه عليه وسـلم أمياً، لكنه كان أحرص الناس على القضاء على الأمية. في غزوة بدر جعل فداء الأسـير الذي لا يملك المال أن يعلم عشرة من المسـلمين القراءة والكتابة (محو أميتهم) وجعل تعـليم البنت القرآن صداقـاً لها، وما زلنا بعد أربعـة عشر قرناً نشـكو من الأمية الأبجدية، فما بالك بأشكال الأمية الأخرى؟  

      مر اليـوم العربي لمحو الأمية دون كثير من الاهتمام، مع أن هذا “الوباء” أخطر بكثير من الأوبئة التي قد تصيبنا، ومع أن نسبة الأمية في الوطن العربي ضعف المتوسّـط العالمي في الأمية تقريباً، كما لا تـزال نسبة الأمية عـند الإناث ضعـفها عـند الذكور، وفق إحصائيات المنظمة العربيـة للتربية والثـقافة والعـلوم (الألكسـو). تشـهد نسـبة الأميـة في الوطن العربي تناقصاً مستمراً منذ سبعينيات القرن العشرين، لكن أعداد الأميـين نفسـها ما زالت في ارتفاع ، يقـدر أن محـو الأمية في كامل العالم العربي لن يحصل قبل عام 2050. يقدر عدد الأميين في الوطن العربي اليوم بحوالي 70 إلى 100 مليون نسمة، يُمثـلون 27% من سـكان المنطقة، وتبلـغ نسـبة الإناث من الأميـين حوالي 60 إلى 80% بالإجمال، تبلغ نسـبة الأميـة بين الذكور في الوطن العـربي 25%، وبين الإناث 46%. وقد أفاد تقرير الرصد العالمي للتعليم في سنة 2011 بأن عدد الأطفال غير الملتحقين بالتعليم في البـلاد العـربية يبلغ 6.188 مليون طفل، كما أن 7 إلى 20% من الأطفـال الملتحـقين بالفعل بالتعـليـم يهـربون منه خـلال المرحلـة الدراسـية الأولى، بل وتـبلغ النسـبة في بعـض الـدول 30%.

وفي العالم العربي، واحد من كل خمسة بالغين يعاني من الأمية 19%، ويحق لقطر أن تفخر بأن فيهـا أدنى نسـبة من الأميـين 2%، ويفخـر الفلسـطينـيـون والأردنـيون بأنهـم في المركـز الثـاني 3%، البحـريـن والكويـت 4% السـعوديـة 5% عـمـان 5% الإمارات ولبنـان 6%، وتـتصاعد النسـبة، ففي سـورية 14%  وفي العراق 20% وفي المغـرب يعاني 10 ملايـين شـخص من آفة الأمية 28%وعدد سـكان المغرب يقارب 34 مليوناً، ما يعني أن قـرابة ثلث السكان أميون، وتعاني نصف المغربيات فوق سـن 15 سـنة من الأمية. أما في مصر، فربع السكان البالغين أميون. وتقبع موريتانيا في ذيل القائمة بنسبة 48%.

مازلنا نتحدث عن أمية القراءة والكتابة، فإذا انتـقلنا إلى أشـكال الأمية الأخرى فإننا سـنفاجأ بنسـب عالية جداً في التعـامل مع التـكنولوحيا وفي الثقـافة وحتى في معـرفة لغة قرآننا. ألا تستفزنا هذه النسب للسعي إلى محو جميع أشكال الأمية بدلاً من الالتهاء بما لا يفيد؟


المعجم الذي نحتاجه

·       من الكلمات “الدارجة” في أحاديث المتعلمين كلمة “الدراجة الهوائية” وهي ترجمة موفقة جداً لكلمة  bicycle الإنجليزية وكلمة  Bicyclette الفرنسية، وما زال الناس في سورية يسمونها “بِسكليت” ويسميها الخليجيون “سيكل” وواضح أنها تحريف لكلمة bicycle أو لكلمة  cycle لكن كلمة “الدراجة” ليست سائدة على ألسنة العامة. والدراجة : العَجَلَةُ التي يَدِبُّ الشيخ والصبي عليها، وتسمى أيضاً “الدبابة”  التي تُسَوَّى لحرب الحِصارِ يدخل تحتها الرجال، وبالمناسبة يختلف العامة العرب في تسمية السلم الحجري الذي نستعمله في بيوتنا، ولكنه في العربية “درج” ودَرَجُ البناء مَراتبُ بعضها فوق بعض. نستنتج أن تسمية المصريين للدراجة “عجلة” ليست خطأ، بل هي من العربية الفصحى، لكن الخلاف يقع في ترجمة كلمة Wheel الإنجليزية وتختلف عن كلمة Tire فهذه تعني الإطار، ولذلك حافظ الخليجيون على الكلمة الإنجليزية وحرفوها. تترجم Wheel (وتقابلها الفرنسية Roue ) في مصر بكلمة عجلة” بينما يترجمها السوريون إلى “دولاب” والحقيقة أن كليهما على صواب، إذ نجد في المعجم:  العَجَلة: الدّولاب، وقيل المَحَالة، وهذه هي القطعة الدائرية المجوفة الإطار التي يسير الحبل فيها، ويستعمل العامة في سورية الكلمة نفسها مع تشديد الحاء، بينما يستعمل المصريون هذه الكلمة للدلالة على ما يسميه العرب الآخرون “الخزانة” (وتلفظ لِخْزانة)، وواضح أن الكلمة أفضل لترجمة Closet أو Cupboard، وعلى ذكر العجلة نذكر مصطلحاً شائعاً جداً هو “العُجالة” : ولا نستطيع إيفاء الموضوع حقه من الدراسة والشرح في هذه العجالة، والطريف أن العجالة: أن يعجل الراعي بلبن إبله إذا صدرت عن الماء، أو هي لبن يحمله الراعي من المرعى إلى أَصحاب الغنم قبل أَن تروح عليهم.

·          نقرأ في التحقيقات الجنائية “وقامت الشرطة برفع البصمات من مكان الحادث” ونعرف أن لكل شخص في الدولة “بصماته” المحفوظة، وعندما تحتاج إلى ورقة رسمية من بعض الجهات يجب أن يعرفوا البصمة، بل استعاروها لأمور أخرى فقالوا: “وترك بصمته (أو بصماته) على المسرح أو الشعر أو القصة أو الرواية. والبصمة بالمناسبة دليل قاطع في التحقيقات، إذ لكل إنسان بصمته التي لا تشبهها أي بصمة أخرى، ثم قالوا “بصمة العين والصوت” .

“البصمة” ترجمة للكلمة الإنجليزية Fingerprint أو الفرنسية Empreinte  وهي ترجمة موفقة، أفضل من الترجمة الحرفية “أثر الإصبع” ولكن ما أصل البصمة؟

البُصم هو المسافة من طرف الخِنصر إلى طرف البنصر، وبالمناسبة قال العرب: ما فارقتك شِبراً ولا فِتراً ولا عَتـَباً ولا رَتـَباً ولا بُصماً، فالشبر ما بين الإبهام والخِنصِر، والفتر ما بين السَّبابة والإبْهام، والرتب ما بين الخنصر والبنصر، وكذلك بين البنصر والوسطى، والعتب ما بين السبابة والوسطى، وفي المعجم الجديد الذي ندعو إليه لا حاجة إلى هذه الشروح كلها.

·       تصدر مؤسسات الأرصاد الجوية أحياناً تحذيرات من عواصف رعدية، ولا أدري لماذا لا يقولون عواصف برقية، فلا رعد دون برق، والبرق سابق، واستعمال هذه الكلمة “العواصف” صحيح وغير صحيح، كيف؟ العواصف جمع عاصفة، وهي صفة للريح، فنقول: ريح عاصِف وعاصِفةٌ،  وعَصفت الريحُ تعصِف عَصْفاً، وريح عاصف: شديدة الهُبوب، هي إذن صفة للريح، وقد يقول قائل: ولكننا نقول يوم عاصف كما نقول يوم ماطر، قال تعالى في سورة إبراهيم “أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف” فجعل العُصوف تابعاً لليوم في إعرابه، وإنما العُصوف للرياح، فأراد في يوم عاصِف الريحِ فتحذف الريح لأَنها قد ذكرت من قبل.

بقي أن لكلمات “العصْف والعصيفة وعصف واعتصف” معان أخرى لا أحد يذكرها إلا عند قراءة القرآن كقوله تعالى في سورة الرحمن “والحَبُّ ذو العصف والريحان” وفي المعجم الذي نحتاجه نقتصر على ذكر الريح، أما من شاء التوسع فلديه المعاجم القديمة وكتب التفسير.

·       وبمناسبة ذكر “الأرصاد الجوية” نتساءل: هل الكلمة صحيحة في موقعها؟ رصده يرصده: يرقبه، والرصَد: القوم يرصدون كالحرس، وربما قالوا “أرصاد” فالكلمة في الأصل تعني المراقبين ولا تعني الفعل، والمرصَد والمِرصاد الطريق، قال الله عز وجل: واقعدوا لهم كلَّ مَرصد، وقال تعالى “إِنَّ ربك لبالمرصاد” والمَرصَد: مثل المِرصاد، وجمعه المراصد، وقيل: المرصاد المكان الذي يُرْصَدُ فيه العدوّ.

·       لكلمة “الفرْض” معان عدة في المعجم العربي، فهو التوقيت كما في شرح القرآن الكريم، وهو الواجب الذي يجب الالتزام به، والصلوات مفروضة ونافلة، فالمفروضة خمس صلوات فيهن سبع عشرة ركعة، ولا يعني هذا التقليل من السنة، ولكن من ترك السنة لا يأثم، والفرض هو الحز في العود أو السهم أو المسواك، وهو القراءة فيقال: فرضت جزئي أي قرأته، والفرْض هو الجنود يفترضون أي يأخذون عطاياهم، وهنا نصل إلى الكلمة المشتقة من هذا الجذر “افترض” ورأينا قبل قليل أن الفعل يعني أخذ عطيته.

كثيراً ما يقول أحدهم: افترض أني فعلت كذا، ويقول العامة: إفرض مثلاً (أظن أنه عنوان أغنية) والأكثر أن نقرأ في مجال العلوم الإنسانية والتطبيقية فعل “افترض” أي وضع فرضية، وفي العلوم ثلاث مراحل: الفرضية، ثم التجربة للتحقق من الفرضية، ثم استخلاص النتيجة كقانون. في المعجم الذي ندعو إليه لا حاجة إلى جميع الشروح المتعلقة السابقة ما عدا الفرائض والفروض لأنها من صميم الدين، ولسنا بحاجة إلى أن الفعل يعني أخذ عطيته، بل نحن بحاجة إلى :افترض بمعنى وضع فرضية (وهذه ليست موجودة قديماً) قابلة للنقاش والتجريب.

·       لا يحوي المعجم الذي نحتاجه من معاني الكلمات إلا ما يرد كثيراً في كتاباتنـا وأحاديثنا اليومية، أما المعاني الأخرى فنتركها في المعاجم القديمة لدارسي الأدب وقراء الكتب القديمة. لدينا مثلاً فعل “خرَق” ومصدره “خرْق” ماذا نشتق من هذا الفعل في الحياة اليومية واللغة السائدة، ويجب أن تكون فصيحة طبعاً. لدينا فعل “اخترق اختراقاً” كما عندما نسمع أو نقرأ “اختراق أمني” وعلى المجاز نقرأ “لم يحقق أي اختراق في المباحثات” أي لم يستطع النفاذ من السدود التي تقف في وجه الحل. ولدينا “الخِرقة” وهي القطعة من القماش أو “المِزقة” ولدينا “أخرق وخرقاء” والأخرق لا تعني الأحمق بل الجاهل بما يجب أن يعمله، وكذلك الخرقاء.

بعد هذا، قلنا إن الخرْق مثل الثقب أو الشق، فماذا يهمنا من أن الخرق الأرض البعيدة؟ وأن الخرِق والمِخراق هو الفتى الظريف في سماحة ونجدة أو أن الخرِق هو الكريم؟ ومعنى آخر للمِخراق أنه المنديل، وهو أيضاً الرجل الطويل الجسم، وقلنا إننا نورد فعل اخترق ومصدره اختراق، فهل يهمنا أن اختراق الريح مرورها، والخرقاء امرأة غير صَناع أو هي الجاهلة، فهل يهمنا أن الخرقاء هي الريح الشديدة؟ وأن الخرَق  هو الدهَش؟ ونقول: خرقه فانخرق، وهو مطاوع خرق، فهل يهمنا أن نقول: انخرقت الريح إذا هبت بغير استقامة؟ وقلنا الخرقة وهي المزقة من الثياب (يستعملها العامة بالمعنى نفسه) فهل يهمنا أن نعلم أن الخرقة هي القطعة من الجراد؟ بالإضافة إلى اشتقاقات أخرى كثيرة لا يتسع المجال لها.


أختار الإمام العادل الكافر

قالت العـرب «نصف الناس ضد الحاكم، هذا إن عدل» يجب ان نسـأل ونحن نسـتذكر هذه الحكمة الخالدة: أين هذا الحاكم العادل بين الحكام العرب؟ اذا استعرضنا تاريخ الحكام في الأرض العربية، هل نجد حكاماً يمكن وصفهـم بصدق بأنهم «عادلون»؟ ومنذ اغـتيال الامام علي بن أبي طالب كرم الـلـه وجهه، لا نجد عدلاً. ولن نجد من يصلون إلى عـشـر العـشر مما كان عـليه أبوبكر وعـمر وعلي رضي الـلـه عنهم. حتى خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبدالعزيز بن مروان وهو أشبه الناس سيرة بابن الخطاب، وقد تخـلص منه بنو أميـة لأنـه كان عـادلاً، لم يتـولّ السـلطة (الخلافة) حسـب «الشـورى» الإسلامية، بل أتته الخلافة حسب «الكسروية القيصرية» التي اسـتنها معاوية بن أبي سـفيان وتبعه فيها بنو امية وبنو العباس والفاطميون وكل من جاء بعدهم الى يومنا هذا.

نعود الى الحكمة التي بدأنا بها، ويمكننا ان نشـتق منهـا «ونصف الناس مع الحاكم، هذا إن عـدل»، ولكن هـؤلاء الذيـن مع الحاكم لن يكونوا «نصـف الناس» لانتفاء شـرط ان يكون عادلاً، ومع ذلـك نجدهـم كـثرة، ويتسـاءل المرء: كيف لهـؤلاء أن يؤيـدوا الطاغـية ويريدوا استمرار حكمه وربما قاتلوا من أجل هذا؟

إن لدى الطاغية «غير العادل» المال، وهو يعطي من يشاء بغير حساب، ولذا يكثر حوله المنافـقون المتزلفون الخانعـون، يزينـون له ما يفعل، ويظهـرون له أن الجماهيـر تدعو له وباسمه ليل نهار. والطاغية غير العادل يملك السلطة المطلقة، يعزل من يشاء، ويرفع من يشاء، وهو يملك الأرض وما عليها، فكأننا في عصور ملوك بني أمية والعباس «يا غلام.. أعطه عشرة آلاف» أو «لقد أقطعناك ضيعة كذا». وما من حاكم مستبد طاغية حتى يومنا هذا لم تكن له بطانة سوء من المنتفعين، ومن الذين بنوا أمجادهم على رضى الطاغية عنهم، ولهؤلاء أتباع، والفاسـد مفسـد بالضرورة، فلكي تسـتمر سـطوة هـذا الفاسـد، لا بد أن ينشـر الفسـاد، ليحقق مآربه، ولدينـا في الريف السـوري مثـل شـعـبي «الخط الأعـوج من الثـور الكبير» ويقابله في الشعر العربي بيت الشاعر سِبط بن التعاويذي قبل نحو تسعة قرون:

اذا كان رب البيت بالدفّ  مولعــاً

فشـيمةُ أهـل البيـت كلـِّهمُ الرقـصُ

حرم الـلـه الظلم “يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي فلا تظالموا” و«العدل» من صفاته ومن أسـمائه الحسـنى. قال الإمام ابن القيم تلميذ الامام ابن تيميـة «لو خيرت بين إمام عادل كافر وإمام ظالم مسلم، لاخترت الأول، لأن لي عدله وعليه كفره، أما الثاني فعليَّ ظلمه وله إسلامه» وهذا حكم منطقي شرعي «عادل».  


جميع الحقوق محفوظة 2012 ©
iDream theme by Templates Next | Powered by WordPress