كثيراً ما نقرأ

·       نعرف “السلق” وهو وضع الشيء في ماء يغلي حتى ينضج ويصبح صالحاً للأكل، والسلائق: ما سلق من البقول، وكل شيء طبخته بالماء بحتاً، فقد سلقته، ونعرف البيض المسلوق واللحم المسلوق وغيرهما، ولكننا نقرأ قوله تعالى في سورة الأحزاب “فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد” وهي المرة الوحيدة التي ورد فيها فعل “سلق” في القرآن الكريم.

نستنتج بسرعة دون تأكد أن “حداد” تعني حادة، ونعود إلى المعجم فنجد استنتاجنا صحيحاً ولكن! كيف يكون السلق كما بيناه بألسنة؟ هنا معنى آخر للفعل، سلقه بلسانه يسلقه سلقاً: أسمعه ما يكره فأكثر. وسلقه بالكلام سلقاً إذا آذاه، وهو شدة القول باللسان. وتفسير الآية الكريمة “سلقوكم بألسنة حداد” أي بالغوا فيكم بالكلام وآذوكم بألسنة سليطة، وقد يكون لأن السلق: الضرب. وسلقه بالسوط وملقه أي نزع جلده، فكأن من يسلق بالكلام يضرب بالسوط حتى ينتزع الجلد، وقد نقبل الاستعارة من السلق بالمعنى الأول، فكأنه حين يؤذي بالكلام يضع من يسلقه في الماء الحار أو يغليه.

·       قرأت مقالاً يتحدث فيه كاتبه عن: «حلف»، سياسي أو جيو/استراتيجي، بين روسيا وإيران والعراق وتركيا (واستطراداً إسرائيل) ووضع لمقالته عنوان: «الحلف» الذي انتهى كما بدأ… ضغث حلم. ويهمني من هذا العنوان كلمتا “ضغث حلم” وتذكرت قوله تعالى في سورة يوسف “قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين” ووردت الكلمة مرة أخرى في سورة الأنبياء “بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراء بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأولون” والقول “أضغاث أحلام” مألوف وإن كان كثيرون لا يعرفون معناه، ولكننا نتحدث عن “ضغث” ونستنتج أنه مفرد “أضغاث” وبحثت ووجدته في القرآن الكريم في آية مفردة في سورة “ص” قال تعالى “وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث” فهو أولاً ضِغْثٌ (بكسر الضاد) ولكن! كنا نتحدث عن الأحلام ولا ينطبق هذا على قوله تعالى: خذ بيدك ضغثاً. الضِغث قبضة من قضبان مختلفة يجمعها أصل واحد كالأسَل والكراث، قال الشاعر: كأنه إذ تدلى ضِغث كُراث، وقيل: الضغث مقدار الحزمة أو قبضة اليد من الحشيش أو البقول أو ما شابه ذلك، والجمع أضغاث، والضغث: الحلم الذي لا تأويل له، وأضغاثُ أحلام الرُّؤيا: التي لا يصحُّ تأويلها لاختلاطها، وكان الأسهل للقارئ أن يقول الكاتب: أضغاث أحلام، فلعله يفهم المقصود، أما الضغث فما أظن أحداً يعرفه.

·       لعلي تحدثت عن هذا من قبل، ولكنني ما زلت أقرأ كثيراً “وثمة خيط رفيع يفصل بينهما” وأقرأ أيضاً “وقام بينهما جدار سميك” والصفتان خطأ، وتذكرون رواية للراحل إحسان عبد القدوس تحولت إلى فيلم سينمائي عام 1971 عنوانها “الخيط الرفيع” والسائد في الكتابة أن الرفيع تعني الرقيق أو النحيل أو الخفيف، لكن “الرفيع والسميك” تعنيان شيئاً آخر.

    الرفـيع هو السـامي وهو نقيض الوضيع، ألا نقول دائماً “وفد رفيع المستوى”؟ وقـد انتـبه مجمع اللغـة العربية في القاهـرة إلى هذا الأمر فقال إن “السـميك” كلمة مُحدثـة وتعـني الغليـظ الثخين (ولم يقل إنها نقيض الرفيع التي أقرها بمعنى الرقيق النحيل) وترد هـذه الكلمة في الأحاديـث والكتابـات الصحـفـية وحتى الأدبيـة والشـعـرية “وقام بينهـما جدار سـميك من الشـك” ونقبل هذه الكلمة لأنها غير موجودة في المعاجم القديمة بهذا المعنى، وما نجده هو أن السَّمْك يجيء في مواضع بمعنى السقف. والسـماء مَسْمُوكة أي مرفوعة كالسَّمْك. وروي عن علي، رضي الـلـه عـنه أنه كان يقول: وسَـمَك الـلـه السـماء سَـمْكاً رفعها. وسَـمَك الشيءُ سُـمُوكاً: ارتـفع. والسَّـامِك: العالي المرتفع. هل تذكرون بيت الفرزدق:

      إن الذي سمك السماء بنى لنا     بيتاً دعائمُه أعزّ وأطولُ

من طرائف هذا البيت أن أحدهم ظن أنه يحرج الفرزدق حين سأله: أعز وأطول ممَّ يا أبا فراس؟    (أعز وأطول اسـما تفضيل فتـقول: نهر النيل أطول من نهر الأمازون) لكن الفرزدق كان مسـتعداً لهذا، فقد أذّن المؤذن وقال: الـلـه أكبر، فقال الفرزدق: يا لـُكـَع (أحمق)، أكبر من ماذا؟

·       قرأت مؤخراً في خير وفاة أحد الفنانين “توفي في مستشفى …. بعد أن نقل إليها” وقد تقرأ وكثيراً ما قرأنا “ونقل إلى إحدى المستشفيات” والخطأ هنا في “تأنيث” المستشفى، والصحيح القول: “إلى أحد المستشفيات” (وبالمناسبة يصح القول: إلى أحد المشافي والمفرد مشفى) وهذا خطأ شائع على ألسنة وأقلام كثير من الناس، وقد جمعت من الصحف بعض الكلمات التي يؤنثونها بوضع كلمة “إحدى” قبلها: التوجهات، الاحتمالات، التحديات، المقاهي، الممرات، المؤتمرات، المؤشرات … الخ، وهكذا، ولعـلكم قرأتـم كثيراً من هذا، حـتى إنني قـرأت في مقـالة لكاتب يحمل الدكتوراة “إحدى أسباب” يا للمصيبة.

في مبحث جمع المؤنث السالم نجد أن ما يُجمع جمع مؤنث سالم عشرة، منها صفة المذكر غير العاقل كأن نقول جبل شاهق وجبال شاهقات. كيف السبيل لنعرف إن كنا سنستخدم “أحد” أو سنستخدم “إحدى”؟ الأمر بسيط، نعود إلى مفرد هذا الجمع، وهي في الأمثلة التي أوردتها: مستشفى، توجه، احتمال، تحدٍّ (التحدي) مقهى، ممرّ، مؤتمر، مؤشر. أما إذا قلنا: في إحدى الندوات، فإن القول صحيح، لأن المفرد ندوة، في إحدى الردهات: المفرد ردهة.

·       قرأت مؤخراً عنواناً كثيراً ما نقرأ مثله: ماذا لو ألغت إسرائيل حل الدولتين؟ وتلاحظون أن صيغة التساؤل تعني: ماذا نفعل إذا ألغت إسرائيل مستقبلاً حل الدولتين. وكتب آخر: ستعمل المنظمة لو سمح لها على تأديب .. ويكتب كثيرون ويقولون: لو يتحد العرب سيكونون قوة عظيمة. هذا كله خطأ، ومكمن الخطأ استعمال “لو” للمستقبل، وتعريفها في كتب النحو “حرف امتناع لامتناع” أي امتناع شيء أو أمر لامتناع شيء أو أمر آخر، والمثل المشهور “لو زرتني لأكرمتك”.

       والقاعدة أنها لا تدخل إلا على الفعل الماضي، ونادراً ما تدخل على الفعل المضارع، لكنها لا تأتي مع المستقبل مطلقاً، والقاعدة الثانية أن الجواب يأتي دائماً مقترناً بحرف “لـ” كقولنا: لو نزل الغيث لاخضرت الأرض. قال النبي صلى الـلـه عليه وسلم قال: “لو كان لي مثل أحُدٍ ذهباً، لسرّني أن لا تمر علي ثلاث ليال وعندي منه شيءٌ إلا شيءٌ أرصده لدين” وقال “لو أنكم تتوكلون على الـلـه حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير”.

ولا يكتمل الحديث عن “لو” دون الحديث عن نقيضها “لولا” فإذا كنت الأولى “حرف امتناع لامتناع” فإن الثانية “حرف امتناع لوجود” في الأولى امتنع شيء أو أمر لامتناع شيء أو أمر آخر، وفي الثانية يمتنع شيء أو أمر”لوجود” شيء أو أمر آخر. قال تعالى في سورة الحج “ولولا دفعُ الـلـه الناسَ بعضَهم ببعضٍ لهُدِّمَت صَوامعُ وَبِيَعٌ وصلواتٌ ومساجِدُ يُذكَرُ فِيها اسمُ الـلـه كثيراً” وقال صلى الـلـه عليه وسلم “لولا أنكم تذنبون لخلق الـلـه خلقاً يذنبون فيستغفرون فيغفرُ لهم”.

  


عيد بأية حال عدت يا عيد

اليوم هو السابع عشر من نيسـان. ولنيسـان مكانة خاصة بين الشهور في سـورية، فهو شـهر الربيع الحقيقي، ويتـفوق في هـذا على شهر آذار الذي قد تكون فيه أمطـار وعـواصف وبرد ورعود وبروق، أما نيسان فشهر الزهور تتفتح، والحَور يزهو بخضرته في الغوطة، ويحلو “السـيران” وهـو النزهـة في الغـوطة. ولاحظـوا أنني قـلت “نيسـان وآذار” ولم أقـل “أبريل ومارس” لا تعصبـاً مني “لشـاميتي” بل إخلاصاً لـلتسـميات التي درجنا عـليهـا، صحيـح أن الاسمين من لغات أجنبية، ولكن من أعشقهم من الكتاب القدامى سموهما بالاسـمين المشتقين من السريانية.

نشأت أجيال على التغني بشهر نيسـان، لأنه شهر الاستقلال، في هذا اليوم خرج المسـتعـمر الفرنسي من سـورية، بعد خمسـة وعشـرين عاماً من النضال الوطني الذي لم يتوقـف يومـاً واحـداً. ثـورات متلاحقـة، من ثورة “العلوي” الشـيخ صالـح العـلي، إلى الثـورة التي قادهـا “السـني” إبراهيم هنانو، إلى ثورة 1925 التي قادها “الدرزي” سـلطان باشـا الأطرش، إلى الثورات التي لم تتوقف في حماة ودمشـق وحلب وديـر الزور، إلى حكومة الاســتقلال التي رأس وزارتها “المسيحي” فارس الخوري، هكذا هي سورية.

وكان السـوريون وما زالوا يسـمونه “عيد الجلاء” وهم على صواب، فالعيد في المعجـم: كل يوم فيه جمع، وسُـمّي عيداً لأنه يعود بفـرح متجدد، وكم كنا نفـرح في هذا اليوم، وكأننا نحن الذين قاتلنا المســتعمر حتى خرج. كانت المدارس تحتـفـل، ويـتحدث المعلمـون إلى طلابهـم وتلاميذهم عن هذا اليوم الأغرّ، وكانت الأفراح تقام في كل قرية وبلدة ومدينة، وينشد الناس أناشيد العيد، وتقام “الدبكات”، إلى أن يكون الاحتفال الأكبر في العاصمة بعرض عسـكري، وخطب من القادة، أما زال أهلي في سورية يحتفلون بعيد الجلاء؟ وهل لديهم الوقت ليفعلوا؟ وهل تركت لهـم الحرب الأهلية الطاحنة وقتـاً أو قدرة على الاحتـفال؟ كان الشـعب السـوري بكل أعراقه ودياناته وطوائفه وأحزابه يحتفل بعيد الجلاء، واليوم ليسوا قادرين على الجلوس معاً ليسمع أحدهم الآخر.

كان الناس يختلفـون – حتى في الاغـتراب – حول هذه المناسـبة أو تلك، لكنهـم لم يختـلفـوا يوماً على أن من حق كل سـوري – ومن واجبه أيضاً – أن يحتفـل بعيـد الجلاء، فهذا العـيد لكل سـوري بغض النظر عن انتماءاته الفكرية والدينية، وليس لطائفة أو حزب أو مجموعة عرقية. لكن ما جرى ويجري في سورية يجعل الاحتفال بهذا العيد غير ذي معنى.

هل صارت سورية مسرحاً لتصفية الحسابات بين الدول؟ يتحدثون كلهم عن الحرب والسلام في سـورية، والصـوت الغائـب – وهـو الأهـم – صـوت الشـعب السـوري. بكم عـيد جـلاء سنحتفل؟


كلهم يعرفونه .. كلهم يجهلونه

تحدثت مرة في سـهرة في بيت أحد الأصدقاء تشـبه الندوة، عن أغنية “الأطلال” وعبقريتها الشـعرية واللحنية والغنائيـة، وقال لي أحد السـاهرين فيما بعد: لم أكن أعرف أنها من شـعر إبراهيم ناجي، فمن هو؟ أعطيته لمحة موجزة عن الشاعر، وتساءلت: أليس من حق الشاعر والملحن أن نتحدث عنهما؟

يعرف الجميع أغنية فيروز “أعطني الناي وغنّ” لكن قلائل جداً من يعرفون أنها من شـعر جبران خليل جبران الذي تحـل اليوم ذكرى وفاته الـ 86 (10/4/1931) وأقـل منهم بكثـير من يعرفون شـيئاً عن هذا الشـاعر الكاتب الرسـام الصحفي المجدد الذي أضاف إلى الشـعر العربي – مع زملائه شـعراء المهجـر – إضافات مهمة، وكان ما فعلوه أشـبه بما فعل أهل الأندلس في الشعر العربي.

هـل يعرفون مثلاً أنه بسـبب الفـقر لم يذهب إلى المدرسـة؟ وأن كاهـن القرية كان يعلمه في منزله مجانـاً؟ وأنه تعلم القراءة والكتابة على يد الطبيب الشـاعر سـليم الضاهر؟ وأنه هاجر مع أمه وأختـه وأخيـه إلى الولايـات المتحدة، ولكنهم عادوا عـندما كان عمره خمسـة عشـر عاماً، ودرس في مدرسة إعدادية مارونية ومعهد الحكمة. هل يعرفون أنه عاش قصة حب فاشلة في بلدته “بْشرّي” استوحى منها فيما بعد قصته (الأجنحة المتكسرة)؟ ويلفـت الانتبـاه تعلقـه بالطبيعة (كما في قصيدته الأغنية) لأنه وجد عـزاءه في طبيـعة لبنان الجميلة.

ماذا يعـرفـون عن “الرابطـة القلمية” التي أسـسـها مع كلِّ من ميخائيـل نعيمة، عـبد المسـيح حداد، ونسـيب عريضة، وكانت لتجديد الأدب العـربي، وهي بهذا تلتقي مع مدرسة “البعـث والإحياء” التي أطلقها البارودي وتبعه فيها كبار الشعراء في مصر والشـام؟ ما الذي يجـمع شعر جبران خاصة، وشعـراء المهـجر عامـة، بشـعر شعـراء “مدرسـة أبولو” التي أسـسـهـا الشـاعـر أحـمـد زكي أبو شـادي، ومن روادهـا: إبراهـيم نـاجي، وعـلي محمـود طـه، وأبو القاسـم الشـابي؟

يبدو جبران خليل جبران مغرقاً في الرومانسـية، ولكنه كان ثائـراً حقـيقـياً، ينطلق من أفكار سياسية ناضجة تحمل الكثير من البصمات الفلسفية، وقد اشتهرت مقولة كان يرددهـا “ويل لأمة تأكل مما لا تزرع” ويمكن البناء عليها في جميع مناحي الحياة. ومن أقواله “ أنا أجلُّ القرآن، ولكنني أزدري من يتـخذ القرآن وسـيلة لإحباط مسـاعي المسـلمين، كما أنني أكره الذين يتخذون الإنجيل وسيلة للتحكم برقاب المسيحيين”

“أنا لبناني لي وطن أعتـز بمحاسـنه، ولي أمة أتباهى بمآثرها، أنا مسـيحي ولي فخر بذلك، ولكنني أهوى النبي العربي، وأكبر اسمه، وأحب مجد الإسلام وأخشى زواله”

من حـق مبدعي الأمة في مختلـف الميادين أن نتـذكرهـم، ونعـلي من شـأن إبداعاتهم، وويل لأمة تنسى كبارها وتنشغل بصغارها.


هل نحن سعداء؟

 

ربما ضحك بعض الناس من إنشاء دولة الإمارات العربية المتحدة “وزارة السعادة”، وربما قالوا: هذا ما كان ينقـصنا، مع أن “تحقيـق السـعادة” هدف كل نشـاط إنسـاني: التقدم العلمي والتربيـة والصناعة والزراعة والتجـارة والتعليم وغـيره، فلماذا يكون لكل منهـا وزارة ولا يكون للسـعادة وزارة؟ وهل كانت الأمم المتحدة على درجة عالية من الغباء حين جعلت 20 مارس/آذار يوماً عالمياً للسعادة؟

وفي اليوم العالمي للسعادة 2017 أطلقت «شـبكة حلول التنمية المسـتدامة» التقرير العالمي للسـعادة، وهـو تـقليد منذ عـام 2012 حين أقرت الأمم المتحدة هـذا اليوم، ويبين التقرير أن  الدول الاسكندنافية هي الأسعد.

وقال جيفري سـاكس مدير الشـبكة والمسـتشـار الخاص للأمين العام للأمم المتحدة: «الدول السعيدة هي التي يوجد فيها توازن صحي بين الرخاء، وفـقاً لمقاييسه التقليدية، ورأس المال الاجتماعي، ما يعـني درجة عالية من الثـقة في المجتمع، وتراجع انعدام المسـاواة والثقة في الحكومة» وأضاف أن التقرير يهدف إلى توفير أداة جديدة لـلحكومات والشركات والمجتمع المدني لمساعدة بلادهم في إيجاد طريقة أفضل للرفاهية.

لماذا تنعدم السـعادة؟ السـبب في ذلك – حسـب هذا المسـؤول الأممي – هو الفسـاد وانعدام المسـاواة والثقة، ولم يكن يحابي دولة الإمارات حين قال إنه يـود أن تحذو دول العالم كلها حذو دولة الإمارات العربية المتحدة وغيرها من الدول التي عينت وزيراً للسـعادة، مضيفاً: «أريد من الحكومـات قـياس السـعادة ومناقـشتها وتحليلها وفهـم أسـباب التراجع». ويسـتند ترتيـب الدول في قائمـة السـعادة إلى سـتة عوامل، وهي نصيـب الفـرد في الناتـج المحـلي الإجمالي، ومتوسـط العـمر، والحريـة، وسـخاء الدولة مع مواطنيهـا، والدعـم الاجتماعي، وغياب الفساد في الحكومات أو الأعمال.

جاءت النرويج في المرتبـة الأولى ثم الدنمارك وأيسـلندا وسـويسـرا وفنلنـدا وهـولندا وكندا ونيوزيلندا وأستراليا والسويد في المراكز العشرة الأولى في الترتيب. وجاء جنوب السودان وليبيريا وغينيا وتوغو ورواندا وتنزانيا وبوروندي وجمهورية أفريقيا الوسطى في المراكز الأخيرة. وتراجعت الولايات المتحدة إلى المركز الـ14.

تصدرت الدول الخليجيـة الدول العربية بينما كانت سوريا بين الدول الأقـل سـعادة. وجاءت دولة الإمارات العربـة المتحدة في صدارة الدول العربية، في المرتبة الـ 21، متبوعة بقطـر 35، ثم السـعودية 37 والكويـت 39 والبحريـن 41. ولم يكن مفاجئا تصنيف ســوريا 152 ضـمن الدول الأكثر تعاسـة في العالم، واليمن 146. أمـا ليبيـا فكانت المفاجـأة 68 والأردن 74 متـقدماً عـلى المغـرب 84 ولبنان 88 وتـونس 102.الأراضي الفلسـطينـية صعـدت من 108 عام 2016 إلى المركز 103. وجـاءت مصر بعـدهـا 104 العـراق 107 ثم موريتانيا 123 فالسودان 130.

أحلم بأن أرى دولة عربية بين الدول العشر الأولى.


مقتطفات صحفية

 

·       أولاً يجب على الكاتب أن يتـقن لغته، وما من إنسـان في العالم يمتهن مهنة دون أن يجـيد اسـتخدام أدواته. ثانياً: العتب على كاتب مخضرم وشـاعر ومؤلف وناقد، أكبر بكثيـر من العتب على كاتب مبتدئ. ثالثاً: تحفـل الـلغة العربية بصـفات تأخذ صيغـة المؤنث، لكنها تطلق على الذكور، منها مثلاً: نابغة، وعلّامة وهي مرتبة فوق العالم، ونسّابة وهو العالم بالأنساب، وكان أبو بكر رضي الله عنه نسابة، وراوية في الشعر وكان الحطيئـة راوية كعب بن زهـير، وجميل بثينة راوية هدبة بن الخشـرم، ومنها بحّاثـة وهي صيغة مبالغة من باحث. أحد الذين ينطبق عـليهم ما قـلناه في ثانياً كتب “وكان الدكتور … بحاثة فـذّة” وقـلنا كما قال طرفـة بن العـبد وهو ابن سـبع سنين: استنوق الجمل.

·       مبحث النسبة في اللغة العربية طويل ومعقد، وفيه تفصيلات كثيرة لن نزعجكم بهـا، والنسـبة باخـتصـار شـديـد إلحـاق ياء بالاسـم وكسـر آخـره: قـطر وقـطـري، مصـر ومصري، وبهذا تصير النسبة صفة للمنسوب، والنسبة دائماً إلى المفرد: دولة ودَولي  صحيفة وصَحفي، ولهذه القاعـدة استثناءات، لكنني لم أجد بينها تغيير الكلمة، وقرأت في يـوم واحد مقالتـين لكاتبيـن أورد كل منهـما صفـة “نفـسـاني” فـقال الأول ” وهـو مرض نفسـاني” وقال الآخر “وهي حالة يعرفهـا الأطباء النفـسانيون” ونتسـاءل: ما مبرر إضافة “ألف ونون” إلى الكلمة؟ إننا نقول: علْم وعلمي، فلماذا لا نفيس عليها؟ وقد قالوا “عـلمانيون” للتميـيز بين الصفتين، لأن الثانية ليسـت منسـوبة إلى العلم بل إلى العلـمانية، ويذكرنا هـذا بقـول بعـض الكتاب “صيدلاني” عن المتخـصص بعـلم الصيدلة، فلماذا لا يقولون صيدلي؟

·       قـلت مراراً إنني لا أحلم بأن تغـير ملاحظـة مني أو من غيري نمط الكتابة السـائد، وتقضي على كثرة الأخطاء النحوية والصرفـية التي استشرت فيما نقرأ، ولكنني لن أتوقف عن الكتابة والتنـبيه إلى الخطأ، وقد أعـيد الكتابة عن خطأ سبق لي أن نبهت إليه، لعـل أحداً ينتبه ويرعوي عن ارتكاب هذا الفعل القبيح بحق اللغة، وأنا مسـتمر فـيمـا “ورطـت” نفـسي فـيه، ربـما عـملاً بالمثل الخليـجي “كـتر الدق يفـك اللحام”، وأضيـف أننا نقرأ على الشـاشـات أخطاءً شـنيعة ونسـمع مثلها في الإذاعات، فلماذا نعفي أهل الإذاعة والتلفزيون؟ ألسنا نقول: الصحافة المكتوبة والمسموعة والمرئية؟ بل إننا في أحيان كثيرة نجد أخطاءً إملائية، يا للحزن والأسى.

·       ليس الخطأ دائمـاً نحويـاً أو إملائيـاً أو في اقـتباس آيـة أو حديث شـريـف أو بيت من الشـعر، بل قـد يكون الخطأ في تركيب الجملـة واسـتخدام بعض الكلمات بما يتناقض مع النحو العربي، ومن أشهر هذه الكلمات كلمة “بعض” ولن ينتهي الحديث عنها في مقالة واحـدة. قرأت هـذا العـنوان “اللغـة التي لا تصلـنا إلى بعضنا” وقـرأت المقـال فوجدـته يتحدث عن انعدام التواصل فيما بيننا، ولم أسـتطع أن أفهـم ما عـنته الكاتبة بالعنوان، وفعـل “وصل” يتعدى بنفسه أو بحرف الجـر “إلى” أو بحرف الجر “من” فنقول مثلاً: وصلني منك كتاب فرحت به، ولكن العنوان المذكور لا يفـيد بشيء من هذا، هل كان صعباً القول: اللغة التي لا تحقق التواصل بيننا؟

·       في الفقرة السابقة تحدثت عن اقتباس آية كريمة أو حديث شريف أو بيت من الشعر، وقد نبهت مراراً إلى عدم جواز نقل الآية أو الحديث خطأ، فهذا قد يقترب من الكفر، أما في الشعر فإن الدواوين موجودة ورقياً أو على النت، فلا يجوز القول: وكما قال الشاعر، إن من حق هذا الشاعر أن ننسب البيت إليه. آخر ما قرأت في هذا المجال مقالة لكاتب يرصع اسمه بلقب “دكتور” ولا أدري في أي علم تخصص، وقد استهل مقاله بالقول: صدق الشاعر العربي أبو الطيب المتنبي حين قال:

لكل داء دواء يستطاب به

إلا الحماقة أعيت من يداويها

وقد أخطـأ الكاتب مرتين: الأولى أنه نسـب إلى المتـنبي ما لم يقـل، ليس لأن المتنبي أرفـع من أن يقـول هذا البيت، فهـو من عـيون الحكمة، بل لأنه ليس من شـعره، وقد بحثت في ديوان المتـنبي أولاً فلم أجـده، ولم أجده في ديوان أي شـاعر معروف، وقد عـدت إلى أمهات الكتب فـوجدت المؤلفين جميعاً يقولون” وكما قال شاعر” وهكذا ظل البيت يتيماً لا ينتسب إلى أي شاعر. وبالمناسـبة لا أنصحكم بالركون إلى “الإنترنت” فـقد اسـتعـنت بالشـبكة فجدت مواقع كثيرة تنسـبه إلى المتنبي فعلاً، وهذا لا يعـني إلا شيئاً واحدا: أخطأ أحد المواقع وربما كاتب كصاحبنا صاحب المقال، وتبعه الآخرون في هذا الخطأ.

والثانية أنه قال “يسـتطاب” وهـو في الأصل “يُسـتطبُّ” والفرق شـاسع بين الفعـلين، فالأول “استطاب” أي وجده طيباً، استطاب الطعام، استطاب المكان، وهكذا، والثاني “يستطب” يعالج ويداوى، وثمة فرق كبير بين المعنيين.

·       قـلت كثيراً إننا نعـتب عـلى كبار الكتاب لسـببـين: الأول أنهـم كان لهم مـن خـبرتهـم وقِدمهم ما يجب أن يجعلهم يتحرون اللغة الصحيحة، والثاني: أنهم قدوة للمبتدئين من الكتّاب، و”من اسـتن سـنة سـيئة فـعليه وزرهـا ووزر من اتبعهـا إلى يوم القـيامـة لا ينقص هذا من أوزارهم شـيئاً”. قرأت لكاتب قديم مخضرم من أشـهر كتاب الأعمدة الصحـفـية مقالاً قال فـيه” عدم إشـغال الرجـل المناسـب في المكان المـناسـب” وهذا المعنى شائع ومتداول جداً، وهو “وضع الرجل المناسب في المكان المناسب” وخطأ الكاتب استخدام المصدر “إشغال” من الفعل “أشغل” وهو فعل لا وجود له في بعض المعاجم، وفي بعـضها الآخر أنه لغة رديئة. وللجذر “شـغـل” اشـتقاقات كثيرة، منها مشغول وشاغل ومشتغل وكلها كلمات ترد حتى في العامية.

·       أجدني في كثير من الأحيان مضطـراً إلى إعادة بعـض الملاحظات، وما أقول هـذا مللاً، ولكنني أستغرب أن يعـود الكاتب إلى الخطأ بعـد تنبيهه. من هـذه الملاحظات أفعال الطلب والنهي والأمر والحضّ والتمني والترجي: هلّا تجتهدْ تكنْ مسـروراً، تعـلـّمْ تفزْ، إفعـل خيراً تؤجرْ، أطعْ أبويـك تلـْقَ خيراً (أصل الفعل قبل الجزم تلقى) أطع الله تفزْ في الدنيا والآخرة. كما تلاحظون يأتي الفعل المضارع بعد فعل الطلب أي جواب الطلب مجزوماً دائماً، وأشهر هذه الأفعال فعل “دع” ومع ذلك من النادر أن نقرأ جملة، أو نسمع متحدثاً يجزم الفعل بعد الطلب: دعنا نقول، دعوني أبيّنُ لكم أصل هـذه المشـكلة، دعنا نسـعى في معـرفة الحقيقة (الصحيح دعنا نسْـعَ) وآخر ما قـرأت من هـذه الأخـطاء مقالـة لكاتب زميـل رشـيق العبارة، وقد نفـّرني الخـطأ في العـنوان من قـراءة المـقالـة “أعطني إعلامـاً حراً .. أعـطيـك..!” (والنـقـط وإشـارة التعجـب في الأصل وليسـت من عندي، ولم أجد لها ضرورة) لعل الزميل لم يسـمع بالجزم بجواب الطلب، ولعله لم يقرأ قول طرفة بن العبد:

فإن كنت لا تسطيع دفع منيتي

فدعني أبادرْها بما ملكت يدي

     


لماذا تصمت العنادل

تمنيت مرة على الصحيفـة أن تخصص أسـبوعياً مسـاحة معقولة (أكثر من ألف كلمة) للحديث عـن المبدعـين في ذكرى مـيلادهـم أو وفاتهـم، وهـم الذين ملؤوا حياتـنا جـمالاً بالفـن والغـناء والمسرح والسينما والرواية والشعر والرسم والنحت وجميع مجالات الإبداع، فمن حق هؤلاء علينا أن نحيي ذكراهم، وليكونوا نبراساً يضيء الطريق لمن يسيرون على هذه الدروب.

كتـبت قـبل أسـبوعين عـن المبدع الذي ظل يتجدد حتى آخر لحظات حياتـه، موسـيقار الأجيال محمـد عـبد الوهاب، لأبيـن كم عانى هـذا العـبقـري قـبل أن يصل إلى ما وصل إلـيه من تألـق وشـهرة، وأكتب اليوم عـن فنان آخر تحل ذكرى وفاتـه الأربعـون بعد يومين (30/3/1977) عن عمر لا يزيد عن 48 عاماً (21/6/1929)، بعد أن قدم أروع الأغاني التي ما زالت حية في الأذهـان، ويرددها الهـواة، ولكن واحدهـم يبدأ التصـرف – إذا نجـح – وكأنه وريث عـبد الحليم الشرعي.

هل قرؤوا قـصة صاحب الصوت الجميل المثقف؟ وكم عانى الفـقر والمرض واليتـم في سـن مبكرة؟ هل اهتموا بمعرفة دراسـته الموسـيقية؟ أو بمعرفة رفاق دربه من الملحنين الكبار من أمثـال محمـد الموجي وكمال الطويل وبليـغ حمدي؟ هـل عرفـوا حـرصه على اختـيار أجـمل الكلمات بالفصحى والعامية، واهـتمامه بأدق التفاصيل في الأغنية؟ أم يريدون القـفز خلال أيام أو شهور إلى ما احتاج منه سنوات طويلة لتحقيقه؟

قيل في حياة عبد الحليم إنه كان يحجب المطربين الصاعدين، عن قصد أو دون قصد، واختفى عـبد الحليم من السـاحة، فـلماذا لم يبرز أولئك الذين ادعـوا أنه كان يحاربهـم؟ لا أريد أن أعدد الأسماء، ولكنهم معروفون لهـواة الغناء العربي، لماذا ظل مقعد عبد الحليم شـاغراً حتى اليوم لم يسـتطع أحد أن يملأه؟ هكذا هم الكبار، لا يلقون بالاً إلى هذه السـفاسف، بل يسعى كل منهم إلى تجويد فنه وتقـديم أفضل ما عنده. لمـاذا ما زالت أغاني عـبد الحليم حية في أذهـان الناس وقلوبهم بعد أربعين سـنة على وفاته، بينما تنطفئ أغاني هؤلاء بعد شهور وربما أسـابيع على إطلاقها؟هـل تعلمـون أن أغـنية “سـواح” تعـود إلى عام 1969؟ و “حبك نار” 1959؟ و”أبـو عـيون جريئة” 1958؟ فلماذا ما زالت حيـة؟ أعـتذر عن التشـبيه ولكن! لأنها صنعـت بهـدوء وإتقان، وطبخت على نار هادئة جداً، أما غناء هذه الأيام فإنه يطبخ على نار شديدة الاشتعال، فتحترق الطبخة. كان زهير بن أبي سـلمى ينقح قصيدته حولاً كاملاً ولذلك سـميت الحوليات، وما زالت خالدة.

·       العـنادل: جمع عـندليب، لقب عبد الحليم، وهـو طائر أصغر من العصفـور عـذب الصوت يسمى الهزار، وقيل هو البلبل.


صباح الخير يا وطني

 

أسـعدَ الـلـه الـصـبـاحــا    وسـقى عـزْمـاً رمـاحــا

أنـت لـلهـامـاتِ فـخــْــرٌ    تحـمـل المجـدَ وشـاحــا

كافـحِ الأعـداءَ جـمْـعــاً     نـصــرَ الـلـه كـفــاحـــا

قـد تـعـبــنـا من بـكـــاءٍ     ومَـلـلـْـنــاهُ الـنــُـواحـــا

أعْـلِ صوتَ الحق لحناً     يُخـرسِ الـلحـنُ نُـبـاحـا

زيـِّـنِ الـدنـيـــا بـنـصـرٍ    عـطـرُه المأمـولُ فـاحـا

وادفُـنِ الماضي عـميـقاً     إنــَّـــه ولـّــى وراحــــا

شـعـبُك المـقـدام يـزهـو    عــزّة تـتـلــو نـجــاحـــا

ولـَكـَم عـانـيــتَ قـيـــداً     أطلـق الشعـب السِراحا

عـاثـتِ الأقــزامُ حـتــى    امـتـلأت شــامٌ جــراحـا

حـسِــبـوا تـرضى بـذُلٍّ     يغـمرُ الأرضَ اجتيـاحا

حسـبـوا صـرت ألـيـفـاً     روَّضـوا مـنـك جـِماحـا

وســتـرضى أي عَـيـشٍ    إن يـكن عـيـش مُـتـاحـا

شـعبنا كالشـمس صـبحاً    دحـــرَ العـتــم، أزاحـــا

وأتــى يـومُ انـتــصــــار    شـعـبـنا فـيـه اسـتـراحـا


أصل الحياة واستمرارها

غـداً تـتزين الطبيعة. إنه “النيروز” أو عـيد الربيع، وهو حسـب تـقسـيمات الفصول أول أيام الربيع، وقد تعلم العـرب الاحتـفال به من الفرس حتى فاقوهم، وذكره الشـعراء في قصائدهـم وأطنبوا:

أتاك الربيع الطلـْق يختال ضاحكاً    من الحُسـن حـتى كاد أن يـتكلـمـا

وقد نبّه النيروز في غـلـس الدجى    أوائــل ورد كـنَّ بـالأمـس نـُـوّمـا

يا لروعة البحتري الذي يحوك سلاسل الذهب.

لكننا لانحتـفل بهـذا اليوم لأنه أول الربيع، ولا سـيما في هذه المنطقـة حيث لاتـتتابع الفصول كما درسناها، بل لأنه عيد الأم أو “يوم الأم” إذا شـئتم، وبالمناسبة إن العيد كل يوم فيه تجمع واحتفال، وقد جاءنا هـذا الاحتفال من الولايات المتحدة، وليس عيباً أن نتعـلم الأشياء الحسنة حتى من أعـدائـنا، ولا أظن أن أحـداً يرى في الاحتـفـال بالأم أمـراً سيئاً.

ما من شريعة سماوية أو وضعية كرّمت الأم كما فعل الإسلام ونبيه صلى الـلـه عليه وسـلم، وشاءت إرادة المولى عز وجل ألا يسلم من أولاده صلى الـلـه عليه وسلم إلا الإناث، هل من غـضاضة أن يكنى رسـول الـلـه بابنته فنـقول “أبو الزهـراء” وهـو اسـم فاطمة سـيدة نسـاء العالمين رضي الـلـه عنها وأرضاها؟ ولنتذكر الآية الكريمة “لا تقل لهما أفّ ولا تنهرهما” يا للروعة! حتى كلمة ضيق واحدة تعد جريمة إذا قـلتها للأم أو الأب، حتى أن تـرفع صوتك في وجه أحدهما جريمة. ويحدثنا الـلـه سـبحانه وتعالى عن غـباء أهل الجاهلية، إذ قال تعالى في سـورة النحل “وإذا بُـشـِّر أحدهـم بالأنثى ظل وجهـه مسـودّاً وهـو كظيم”، والمؤسـف أن بعـض الناس ما زالوا يظهرون هذا بعد قرون. وينسى هؤلاء وأولئك أن هذه الأنثى ستصير زوجة وأماً، كما صارت أنثى قبلها أمّه وزوجته.

إنهـا مصادفـة رائعـة أن نحتـفل في الثامن من هـذا الشـهر بيـوم المـرأة، ثم نخصّ الأم بيـوم مســتقل، وأن يصادف هذا اليوم أول الربيع، وكما تـتفتح الطبيعة في هـذا اليوم في عـطاء لا ينتهي بإذن ربها، يظهر العطاء في هذه المرأة التي تجسد القيم النبيلة في الكون كلها. وأحسن الأولون حين وحّـدوا بين الأم والأرض، نـقول دائماً: أمّـنا الأرض؟ وكم هي اللغة العربية عظيمة حين اشتـقت الأم والأمة من جـذر واحد! وها نحن نطـلق كلمة الأم على كل شيء عـظيم: اللغة الأم، أم الكتـب (الفاتحة) أم القـرى (مكـّة) أمهات المـؤمنين، أم المعارك. وقديماً لم يكن عاراً أن ينتسـب المـرء إلى أمّـه، ألا تذكرون الملك عمرو بن هـند الذي قـتله الشاعر الفارس عمرو بن كلثوم لأن أم الملك تعمدت إهانة أم ابن كلثوم؟


العباقرة خالدون

تحـل اليـوم الـذكرى 115 لميـلاد الفـنـان العـبـقـري المجـدد محـمـد عـبد الوهـاب (تـوفي في 4/5/1991) أي إنـه عـاش تسـعاً وثـمانيـن ســنة. ياه .. كم تمـر الأيـام والسـنـوات سـريعـة، تصوروا، أكثر من ربع قرن مضى على غياب موسيقار الأجيال ولكن! هل غاب فعلاً؟ أم ما زال حيـاً أكثر من كثيـر من الأحياء؟ من يـنسى الأغـنيات التي لحنها سـواء تلـك التي غـناها بصوته أو التي قدمها بصوت غـيره؟ قيل إنه صنع 1800 لحن، لنفترض أن ألفاً منها سرقها من غـيره، أو كانت تافهـة، يـبقى له ثمانمائـة أغـنية لا يختلف اثـنان في جـودتها، أليس هـذا كافياً للحديث عـن خلوده؟ بلى، وأضف إلى ذلك روائع الأغـنيات التي لحنها وقدمها بصوتـه وأصوات الآخرين.

عرف محمد عبد الوهاب بلقب “موسيقار الأجيال” لأنه جدد نفسه باستمرار، ولم يتوقـف عند الصيغ القديمة التي ورثها عن الآخرين، وجارى تغير الأذواق من جيل إلى جيل. بدأ معـتمداً على صوته الذهبي، مؤدياً أصعب ألوان الغناء العربي، الموال والدور والقـصيدة والموشـح، ولكن طمـوحه كان يدفعه إلى اقـتحام عـوالم جديدة، فأدخـل كثيـراً من الآلات الموسـيقية إلى “التخت الشرقي” وكان بالتالي أحد أعظم من طوروا هذا التخت إلى فرقة موسيقية، كما أجاد الاقتباس من الموسيقى العالمية بأنغامها وإيقاعاتها. كما قدم الموسيقى البحتة في نحو خمسين قطعة موسـيقية على مدى أربعة عقود استخدم فيها طرقاً وأسـاليب مختلفة، وكان يمكن لهذه الخطوة مع خطوات فنانين آخرين أن تؤدي إلى ارتقاء التأليف الموسيقي العربي، لكنه حقـق نوعا من الريادة بفضل القواعد الجديدة التى أرسـاها، ولموسـيقى عبد الوهاب سـمات كثيرة يمكن جمعها تحت عنوان رئيسي واحد هو التحرر.

إن نموذج محمد عبد الوهاب فريد ومن الصعب أن يـتكرر، فما يجـود الزمان كل يوم بمثـل هـذا الصوت الماسي، لكن عبد الوهاب كان من الذكاء بحيث أدرك قبل غيره أن رنة صوته المعجـزة بدأت تـتضاءل، ولذلك بدأ منـذ الأربعـينات إدهاش المسـتمع بلون جديـد في تلحيـن القصائد ، وعلى ذكر القـصائد كان لمحمد عبد الوهاب فضل كبير في الارتقاء بكلمات الغناء العربي، ولا غرابة في هذا، فهو ربيب أمير الشعراء أحمد شوقي الذي كان معلماً له ومرشداً في الحيـاة، ومن أجله كتب أغـنيات بالعامية من أجمـل ما غـنى محمـد عـبد الوهـاب. ويعـود الفضل إلى محمد عـبد الوهـاب في اقـتحام عالم تلحيـن القصيدة متعددة القـوافي، منذ رائعـته الخالدة الجندول 1944.

محمـد عـبد الوهاب نموذج يحتذى لمن يسـتعجلون النجاح والشـهرة، لكنهـم كنار القـش التي تتأجج بسرعة، وتنطفئ بالسرعة ذاتها.


كثيراً ما نقرأ

 

·       ترددت هذه الكلمة كثيراً في نشرات الأخبار “شفير” فتقرأ على الشاشة أو تسمع “الملايين على شفير الموت جوعاً في الدول التالية” ولا يلفت الانتباه في الجملة إلا كلمة “شفير” لأنها غير مألوفة في لغة اليوم. شفير الوادي: حدّ حرفه، وكذلك شفير جهنم والعياذ بالـلـه. وشفير كل شيء حرفه كالوادي والبئر ونحوهما. وقد وردت الكلمة عشرات المرات في الشعر، قال أبو تمام:

      مَـكـْراً بـنى رُكـنـيــه إلا أنـّـه     وطـَد الأساس على شفيرٍ هارِ

ولم ترد الكلمة في القرآن الكريم، ولكن القرآن أورد مرتين كلمة “شفا” الأولى في سورة آل عمران في قوله تعالى ” وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها” والثانية في سورة التوبة “أم من أمسى بنيانه على شفا جُرف هارٍ” والجرف ما أكل السيل من أسفل شقّ الوادي أو النهر، و”هار” متساقط ومنهار. ألا نستطيع القول: على حافة الموت جوعاً؟

·       قال أبو فراس الحمداني في قصيدته الشهيرة “أراك عصي الدمع”:

أسِرتُ وما صحبي بِعُزْلٍ لدى الوغى       ولا فرسي مُهرٌ ولا ربُّـهُ غَمْرُ

وكثيراً ما نقرأ “وقتل أكثر من خمسين من المدنيين العزَّل” فأيهما الصح وأيهما الخطأ؟ بسكون “الزاي” أم بتشديدها وفتحها؟

العُزُل والأعزل: الذي لا سلاح معه، قال الشاعر مادحاً:

   وأرى المدينة حين كنتَ أميرَها     أمِن البريءُ بها ونام الأعزلُ

وقد وردت الصيغتان في الحديث الشريف. وقد يجمع “العزُل” على معازيل، قال كعب بن زهير في قصيدته الشهيرة “بانت سعاد” مادحاً المهاجرين:

   زالوا فما زال أنكاس ولا كُشُف   عند اللقاء ولا مِيل معازيل

إذن الكلمتان صحيحتان لا فرق بينهما، ولكنهما لوصف الجمع وليس الفرد.

·       عندما يصدر قرار رسمي يذيَّل بعبارة “يعتبر لاغياً كل قرار يخالف أحكام هذا القرار” وكثيراً ما قرأنا مثل هذه العبارة في القوانين والمراسيم والاتفاقيات، وهو خطأ شنيع يتردد على ألسنة كثيرين وأقلامهم. “يعتبر لاغياً” هو اسم فاعل بصيغة النصب، فما فعله؟

لغا يلغو لغْواً: أخطأ وقال باطلاً، واللغو في اليمين إذا حَلَفَ بيمين بلا اعتقاد، وردت الكلمة ست مرات في القرآن الكريم، قال تعالى في سورة البقرة “لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم”  وإذا قلنا “كل اتفاقات مخالفة لهذا الاتفاق تعتبر لاغية” نكون قد أفحشنا في وصفها، قال سبحانه في سورة الغاشية “في جنة عالية، لا تسمع فيها لاغية” فكلمة لاغِيةٌ: فاحشة. وقيل أَي كلمة قبيحة أَي لا تسمع باطلاً ومَأْثماً.

ويقال: ألغَيت هذه الكلمة أي رأيتها باطلاً أو فضلاً،  كذلك ما يلغى من الحساب، وألغيت الشيء: أبطلته، وكان ابن عباس رضي الله عنهما، يلغي طلاق المكره، أي يبطله، هي إذن ألغى يلغي: أبطل يبطل، واسم الفاعل منه “مُلغي” واسم المفعول “مُلغى”

·         ما أكثر ما نقرأ “وكان هاوي صيد ورحلات” ونقرأ “وكان من هواة جمع الطوابع” ونقرأ “وكان قيس يهوى ليلى” أما الفعل “يهوى” فلا خطأ فيه، ومنه الهوى، قال العلماء: الهوى العشق، يكون في مداخل الخير والشر. وهَوى النفسِ: إِرادتها، والجمع الأَهْواء قال تعالى “ ونهى النفس عن الهوى” معناه نهاها عن شهواتها وما تدعو إِليه من المعاصي، لكن المشكلة في اسم الفاعل “هاوٍ وهاوية” وفي الجمع “هواة”، لأن اسم الفاعل “هاوٍ” من الفعل هوى، فهو يعني سقط، وهوى العقاب على الصيد: انقضَّ، ويقال: هوى إليه وأهوى إليه، وهَوَت يدي للشيء وأهْوت: امتدت وارتفعت، وقال بعض العلماء: هوى إليه من بُعد، وأهوى إليه من قرْب. فالفعل من “الهوى ” هوي، نقول: كان يهواها، ولكن ما اسم الفاعل في هذه الحالة؟ إنه “هويّ” أما اسم الفاعل “هاوي وهاوية” فمن الفعل “هوى”، وهنا ستعترضنا معضلة، هي جمع هذا “الهوي” يجب أن يكون “هوون وهوين” أما الهواية والهواة فاختراع حديث، كيف نحل هذه المشكلة؟

أرى أننا لا نقترب من المعنى الأصلي للفعل وهو سقط، ولكننا لا نستعمله إلا مع “الهوى” بمعنى هوى النفس، وأما الهاوي بمعنى غير المحترف فنبقيها، لأننا لن نقترب من الهاوي بمعنى الذي يهوي، ونبقي الهواة، كما نقول: الحاوي والحُواة، والساقي والسُقاة.

·       عندما يتحدث العامة عن رجل ما ويمدحونه، يقول لك المتحدث “شرواك بالخير” ويذكرنا هذا بجملة نقرؤها كثيراً “لا يملك شروى نقير” ونعني بها الفقير المعدم، فما معنى هاتين الكلمتين؟  الأصل في شروى أنها مشـتـقـة من الشِـراء، وشـروى الشـيء مثله. ويقـال: هـذا شـرواه وشَرِيُّه. وقال عمر بن الخطاب رضي الـلـه عنه: فلا يأخذ إلا تلك السِـنَّ من شـروى إبله أو قيمة عَـدْلٍ. أي مثل إبلـه. وقـضى شـريح الـقاضي على صبّـاغ أتلف ثوباً بشـروى الثوب أي بمثله. النَّقر والنُّقرة والنـقِير: النُكْتـة في النواة، كأن ذلـك الموضع نُقر منها. وهي نقطة صغـيرة في نواة أي ثمـرة يكون موضع الإنبـات منها. ولنلاحظ مدى صغـر الشـيء وتفاهته وقلـة قيمته. إذن “شـروى نقير” تعني شـيئاً عديم القيمة، كهذه النقطة في نواة الثمرة. قال تعالى “أم لهم نصيب من المُلك فإذاً لا يُؤتون الناس نقيراً”

·       فوجئت في إحدى المقالات بالكاتب يقول “فهو إذا آثر هذا قمين بأن …” وكنت أظن أن هذه الكلمة انقرضت على ألسنة الناس وأقلامهم، ولا تجدها إلا في الكتب القديمة وتساءلت عن مدى صحتها، وروي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: إِني قد نُهيت عن القراءة في الركوع والسجود، فأما الركوع فعظموا الله فيه، وأَما السُّجود فأَكثروا فيه من الدعاء، فإِنه قمِن أَن يُستَجاب لكم، يقال: هو قمَنٌ أَن يفعل ذلك، وقمِنٌ أن يفعل ذلك، وهو قمين بأن يفعل ذلك أي حرِيّ، والكلمتان من الكلمات التي انقرضت، ولم أقرأها منذ سنوات طويلة في الكتابات الحديثة.

·       كثيراً ما نقرأ في الكتب القديمة “لا تثريب عليك” ونفهم المعنى عامة بأنه: لا بأس عليك (والعامية المصرية تقول: لا باس عليك، والمغاربة عامة يستخدمونها كثيراً في السؤال عن الأحوال) ولكن ما معنى تثريب؟ أما المصيبة فهي أن يقرأها الذين تضايقهم الحروف اللثوية (الثاء والذال والظاء) فتصير: تسريب.

      التثريب كالتأنيب والتعيير والاستقصاء في اللوم، والثارب: الموبّخ، ثرَب وثرَّب وأثرب: وبّخ، وقالوا: مثرِب قليل العطاء: هو الذي يمن بما أعطى، وثرَّب عليه: لامه وعيَّره بذنبه، وفي كتاب الله الكريم “قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم” (92 سورة يوسف) قال اللغويون: معناه لا إفسادَ عليكم. وقالوا: معناه لا تذكر ذنوبكم.

·       قال صلى الله عليه وسلم “أكثر أهل الجنة البُلـْه” والبله جمع أبله التي نقرؤها دائماً بمعنى “أحمق” فكيف يستقيم هذا وذاك؟ أصل الخلاف أن الأبله هو الذي غلب عليه سلامة الصدر وحسن الظن بالناس، أي من نسميه “طيب القلب والسريرة” وهذا يعني أنني أبله لأنني أردد دائماً “كل إنسان خيّر إلى أن يثبت العكس”.

 

 

 

 


جميع الحقوق محفوظة 2012 ©
iDream theme by Templates Next | Powered by WordPress