الوطن .. واللغة العربية 1

نحتفل اليوم بالعيد الوطني، فإلى قطر العربية الأبية أميراً وحكومة وشعباً أجمل تهنئة بهذه المناسبة الغالية، متمنياً لها المزيد من التقدم والنجاح، وأن تبقى دائماً قلعة العزة والشموخ. قـلت كثيـراً وأقول: إن الاحتفال بعيد الوطن لا تكفي فـيه الكلمات والشـعارات واللافـتات والعرضات والأغاني، الاحتفال الحقيقي بالعمل الدؤوب في خدمة تقدم الوطن.

ونحتفل اليوم باليوم العالمي للغة العربية، وقد اختير هذا  التاريخ لأنه اليوم الذي أصدرت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم 3190 في ديسمبر عام 1973، وتم بموجبه إدخال الـلغة العربيـة ضمن الـلغات الرسـمية ولغات العـمل في الأمم المتحـدة. ويجب أن نعترف بأن اللغة العربية الآن في أسوأ حالاتها على ألسـنة أبنائها وأقلامهم ويتباهون بإتقان اللغات الأجنبية. لن ندخل في بحث أكاديمي حول نشأة اللغة العربية وأهميتها، لكنني أطرح رؤيتي المتواضعة للنهوض بلغة القرآن.

كل تربية وتعليم يبدأ من المنزل، والأسرة هي المعلم الأول. في المنزل يتعلم الطفل ما سيتحكم به إلى سنوات مديدة من عمره كما يقول علماء النفس، ولقد نشأ كثيرون من أبناء الجيل القديم في أسر تسودها الأمية، ومع ذلك لم يكبروا بالجهل الذي يصبغ الأجيال الحديثة. رأيت آباءً وأمهات يحرصون على ألا يتحدث أبناؤهم إلا بلغة أجنبية، وحبذا أن يتعلموا لغتين، فهذه غاية المنى، ولكن هذا الطفل لا يعرف من العربية كلمة واحدة، حتى إنه لا يعرف عامية والديه. معظم الآباء والأمهات الآن من المتعلمين، وربما يحملون شهادات  جامعية، فهل يعمل هؤلاء على تعليم أبنائهم شيئاً؟ هل يعوضون النقص في التعليم الذي تقدمه المدارس الأجنبية والخاصة والمستقلة؟ هل يتابعون دروس أولادهم ويحببونهم بالقراءة؟ أم يتركونهم غارقين مع الأجهزة الإكترونية؟

إن المسؤولية الأولى عن تدهور أوضاع اللغة العربية وضرورة إنقاذها تقع على عاتق الحكومات، فإذا انتقلنا إلى المدرسة، فإننا يجب أن نبين أولاً أن المدارس لا تدرّس ما تشاء وكيفما تشاء، إنها خطة تعليمية تضعها الحكومة، وقد تترك للمدارس بعض التفاصيل. ألا تستطيع الحكومة – أي حكومة – أن تفرض على جميع المدارس مساواة اللغة العربية، باللغة الإنجليزية على الأقل ؟ على الحكومات أن تضع خططاً تربوية تعليمية حديثة تحبب اللغة العربية للطفل الصغير، وتشجع هؤلاء التلاميذ على التحدث والقراءة بها. إنهم يركزون على تعليم الإنجليزية والكومبيوتر، وماذا عن اللغة الأم؟ هل من المعقول والمقبول أن ينهي التلميذ المرحلة الابتدائبة ومعلوماته في اللغة العربية أقل مما كان يعرفه تلميذ الصف الثاني أو الثالث؟ إنهم لا يعرفون الفعل والفاعل، ولا يستطيعون قراءة الفاتحة. وللحديث بقية.


أيها المتباكون على القدس

حين سـقطت غرناطة بكى آخر ملوكهـا فـقالت له أمه “إبكِ كالـنسـاء ملـْكاً لم تحافـظ عـليه كالرجال” أقول لكم: إبكوا كاليتامى والأرامل قدساً لم تفعلوا لها سوى البكاء.

بعيداً عن اللطم والنواح دعونا نفكر بهدوء، ماذا فعلتم لتمنعوا ترامب من الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل مخالفاً جميع القرارات الدولية؟

أملتم أن يعوضكم عن تخاذل أوباما وتردده، ودعمتموه بالمال، رغم علمكم بحمقه وعدم صلاحيته للرئاسة، فكافأكم هذه المكافأة، هل تجرؤون على مقاطعة الولايات المتحدة وبضائعها؟ وبماذا سيقاتل بعضكم بعضاً؟

هل أخطأ شيمون بيريز حين قال إن العرب ظاهرة صوتية؟ إذا تذكرنا مواقف العرب من قضية فلسطين ألا نسمع كثيراً من الجعجعة ولا نرى طحناً؟ قالت غولدا مائير إنها لم تنم ليلة حريق الأقصى 1969 خوفاً من هبّة إسلامية قد تطيح إسرائيل في البحر، وعندما طلع الصباح ولم يحدث سوى المزيد من الجعجعة، نامت ملء جفنيها، وأدركت أن العرب والمسلمين لا يفعلون شيئاً سوى البكاء على حائط الأمم المتحدة.

تناشدون المجتمع الدولي أن يتصدى لقرارات إسرائيل، وأن يقوم بواجبه بعد أن اعترف ترامب بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل، وأعلن عزمه على نقل السفارة الأمريكية إلى المدينة، وقرأت بعد ذلك أن ترامب استخدم الحق الذي استخدمه قبله كلنتون وبوش وأوباما في تأجيل نقل السفارة 6 أشهر. ماذا سيفعل لكم المجتمع الدولي؟

أقرّ البرلمان الإسرائيلي في 31 /7/ 1980 ” القدس عاصمة إسرائيل”، رد مجلس الأمن بالقرارين 476 و 478 سنة 1980 وأكد أنه يخالف القانون الدولي، وليس من شأنه أن يمنع استمرار سريان اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949 على الجزء الشرقي من القدس. ليس مجلس الأمن فقط، بل الجمعية العامة أيضاً، إذ أعلنت بأغلبية 151 دولة رفض تبعية القدس لدولة الاحتلال.

في 1995 أصدر الكونغرس الأمريكي قانوناً يعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل ويدعو الرئيس الأمريكي إلى نقل السفارة إلى القدس، ولكن هذا القانون يسمح للرئيس الأمريكي بتأجيل تطبيقه كل 6 أشهر، وهذا ما فعله الرؤساء الأمريكان منذ 1995 إلى هذا اليوم.

في قمة الخرطوم العربية ١٩٦٧ خرج العرب باللاءات الثلاث المعروفة ( لا تفاوض، لا صلح، ولا اعتراف بإسرائيل) ولم تحترموا قراراتكم، ففاوضتم وصالحتم واعترفتم، فلماذا سيحترمكم العالم؟ وفي قمة عمان (27/11/ 1980) قررتم قطع العلاقات مع أي دولة تعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل أو تنقل سفارتها إليها. تقاويتم على بعض الدول الصغيرة، أرونا قوتكم وعزمكم على التمسك بقراراتكم.

سينطفئ غضبكم الأهوج، وستبكون على القدس ثم تنسونها كما نسيتم غيرها، و”إن للبيت رباً يحميه”.


هل كان يجب أن يقبلوا؟

مرت قبل أيام الذكرى السبعون لصدور قرار الأمم المتحدة رقم 181 بتاريخ 29/11/1947 القاضي بتقسم فلسطين بين العرب واليهود. وكانت بريطانيا (الدولة المحتلة) قد سهلت لهم الاستيلاء على الأراضي أو شراءها، أو منحتها لهم من أراضي الحكومة التي ورثتها من السلطنة العثمانية، وقضى قرار التقسيم بمنح اليهود 55% والعرب 45% من أرض فلسطين. خاض العرب في الأمم المتحدة صراعاً لم يكونوا مستعدين له لمنع صدور القرار، لكن الصهيونية العالمية نجحت في حشد التأييد اللازم، فصوتت 33 دولة إلى جانب القرار و13 دولة ضده، و10 دول امتنعت عن التصويت، وتغيبت تايلند.

قرر العرب مقاومة التقسيم، ولم يكن لديهم الجيوش القادرة على هزيمة “الميليشيات” اليهودية المسلحة أفضل تسليح، والمدربة أفضل تدريب، فشكلوا جيشاً من المتطوعين، ووعدوا بتقديم مليون جنيه استرليني وأسلحة، فلم يصل المال ولا الأسلحة، ولا ننسى أن دولتين عربيتين فقط كانتا قد استقلتا هما لبنان وسورية، إضافة إلى السعودية واليمن، أما مصر والعراق فقد كانا تحت الاحتلال البريطاني.

نصح حكماء الحزب الشيوعي السوفييتي العرب بقبول قرار التقسيم، وحجتهم في ذلك أن العرب ضعفاء، وأن خوض حرب على اليهود ليس في مصلحتهم، وأن إسرائيل ستحتل أكثر مما أعطاها القرار “فاقبلوا وطوروا أنفسكم سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، واستعدوا لفرصة ستأتيكم، لتستردوا فلسطين كلها، أو على الأقل تفرضون رؤيتكم” واستشهدوا بزعيمهم لينين الذي وافق على الهدنة، في الحرب العالمية الأولى، ولكن رفاقه رفضوها، فانصاع لقرارهم، وخسرت روسيا أكثر، فوافق الجميع، وعندما قوي الاتحاد السوفييتي استرجع تلك الأراضي وأكثر.

رفض العرب القرار، وبدؤوا يستعدون للحرب، ولكن في الإذاعات والجرائد، ووجدت الحكومات العربية فرصة لإذلال الشعوب ونهب الثروات باسم القضية، واستمرت إسرائيل في قضم المزيد من الأراضي، حتى بلغ مجموع ما احتلته 68% من فلسطين، وجاءت قاصمة الظهر في الفضيحة المدوية عندما هزمت الجيوش العربية شر هزيمة خلال ست ساعات من صبيحة 5/6/1967، وأكملت إسرائيل احتلال فلسطين ومعها الجولان وسيناء، ولا يطالب العرب الآن إلا بالعودة إلى حدود 4/6/1967.

عندما ترفض شيئاً يجب أن تقدم البديل، فهل فعل العرب ذلك؟ ظلوا منشغلين بعضهم ببعض، وانعدمت الثقة بين الحكام والشعوب، ولم تستعد الدول العربية للمعركة المصيرية، واستمرت الخلافات حتى في حرب أكتوبر 1973، والجيش الإسرائيلي أقوى من الجيوش العربية مجتمعة بمراحل. تكرر الأمر عام 1979 بعد كامب ديفيد، فالذين رفضوا لم يفعلوا شيئاً سوى الصراخ. إن تحرير فلسطين وأي أرض محتلة لا يكون بالصراخ في الإذاعات. “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة”  


في مقلتيها جنتي وجحيمي

ما زلت أسير على نهج الشعراء القدامى في التقديم للقصيدة بمقدمة غزلية كهذه المقدمة

كم قُلتُ شِـعْرا ً وكم هاجَتْ بيَ الفِكـَـرُ        حتّى تعِـبْتُ ولم يَـسْــق ِالـثـرى مَـطـرُ

قد عِـشْـتُ عُمْرا ً أمَنّي النـفـسَ ظامِئة ً        أهْـدي القـَوافي لـرِيـم ٍطـَـبْـعُـه الحَـذرُ

أرْسَـلـْـتُـهـا صُوَرا ً بالحُـسْـن ِزاهِـيَـة ً        ما كـُـلُّ قـافِـيَـة ٍ يـشـْـدُو بـهـا الـوَتـَــرُ

قالوا: أمَا زِلـْتَ تهذي؟ فانْـثـنى لهَـفي         جَـلَّ الجَـمــالُ إذا مـا لـُـوِّنـَـتْ صُـوَرُ

قالوا: تـسَلَّ فـقـد تـنْـسى، فـقُـلـتُ لهم :        هـل يهْـرُبُ المَرْءُ مِمّا خطـَّهُ الـقدرُ؟

كـيـفَ السَّـبـيـلُ إلى نِـسْــيـان فـاتِـنــة ٍ        إمّـا تـَـبَـدّتْ يحَـارُ السَّــمْـعُ والـبَـصَـرُ

لا تعْـذِلوني فـمَا في العِـشْـق ِمن تعَب ٍ        لا أتْــرُكـَـنَّ وإنْ تُـهْـــدى لـيَ الـدُّرَرُ

سَـمَّيـتُ مَـيّـا ً وسَـلـْمى والرَّبابَ معــا ً        سَـمَّـيْتُ زَيْـنـبَ والأسْــمـاءُ تـسْــتـتـِرُ

سَـمَّـيـتُ دعْـدا ً وهِـندا ً والهوى رشـأ ٌ        في مُـقـْلـتـيـه هُـدىً، أو فـيهـِما سَــقـرُ

إنْ قِـيل صِفْها قُـلـْتُ الحُـسْـنُ أجْمَـعُـهُ         شَـمْسٌ تجَـلـَّت فأخـْفى وجْهَـهُ الـقـمَرُ

إنْ قُـلتُ شِـعْـرا ً يـفِـيهـا حَـقـَّها وَصْفا ً        فـاضَتْ بُـحُورٌ، هامَ الـبَـدْوُ والحَضَـرُ

كـأنـَّمــا صـاغـهــا ربّـي لـتـَـفـْـتُـنـَـنـا         بـِحُـسْـن ِقـَـد ٍّوعَـيْـن ٍزانـَـهـــا الحَــوَرُ

فـدّيْـتُ شـَـعْـرا ً كأن َّ العَـتْـمَ يُـشْـبـِهُـه         إنْ جُـن َّ يَـوما ً ثـارَ الـبَـحْـرُ والحَجَرُ

كأنـَّـه نـَـغـَـــمٌ في لـحْــن ِأغْـنِـيـَـــــــة ٍ         نايُ الـرُّعاة بَـكى أو أنْـشـَـدَ الغـَجَــرُ

ثـغـرٌ كما السِحـرُ أو ياقـوتةٌ شُـطِـرَتْ         والخَصْرُ لحْنُ ندامى الليل ِقـد سَمَرُوا

هَيفاء تهْوى النـُّجُومُ الـزُهْـرُ طلـْعَـتـَها        لا يُشتـَكى الطُولُ أويُزْري بها القِصَـرُ

فـتـّـشْـتُ عـن سَـلـْوَةٍ من حُـبِّهـا عـبـثا ً        خابَـت أغان ٍوخابَ الشِّـعْـرُ والسَّـفـَـرُ

ورُحْـت أسْلـُو بِما عـاناهُ مَـن سَـبـَـقُـوا        فـاضَتْ دُمُـوعُ جَـمِـيل ٍأو بَـكى عُـمَـرُ

لـم يـلـْقَ قـلـْبـي بـما عـانـَـوْهُ سَـلـْوَتـَـهُ        كـأن قـلـْبـي إلى الـعُـشـّــــاقِ يـعْـتـَـذِرُ

لِـلـْعشـقِ اُهْـدي غِـنـاءً طابَ قـافِـيَــــةً         لِلـْحسنِ يَـزْهُـو ويَعـْـلـُو ذِكـْرُهُ العَـطِرُ

اُهْـدي الَقـَوافي لِـمَـنْ جـادَتْ مَنابِـتُهـُـا         فـجَـادَ فَـرْعٌ وجــادَ الـزَهْـرُ والـثـَّـمَـرُ

 

 


واحد بالمائة مقابل 3,5 مليار

الأرزاق مقـدرة من الـلـه سـبحانه وتعالى، فهو يؤتي من يشـاء بغـير حسـاب، ولا يـمكن أن يتساوى الناس في أمور كثيرة منها الفقر والغنى، ولكن الـلـه عز وجل “فرض” على الأغنياء أن للفقراء “حقاً” في أموالهم (والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم) “24 المعارج” ولا نجد أحداً من الأغنياء يلتزم بأداء هذا الحق، حتى لو كان مسلماً.

أظهر تقرير أصدره بنك “كريدي سويس″ السويسري أن أغنى 1% من سكان العالم يمتلكون اليوم أكثر من نصف ثروة العالم، وأن إجمالي ثروة العالم زاد بنسبة 6% خلال عام مضى ليصل إلى 280 تريليون دولار، وهو أعلى معدل نمو للثروة منذ 2012.

يذكرني هذا بما رواه لنا القرآن الكريم في سورة “ص” عن المَلـَكين اللذين جاءا إلى نبي الـلـه داوود عليه السلام في سورة رجلين ليعاتباه على ما فعل حين أرسـل “أهريا” ليقتل في الحرب ليتزوج امرأته، وهذا ما حدث، وكان لداوود فيما قيل تسـع وتسعون زوجة، فقال أحد الملكين: “إن هـذا أخي له تسـع وتسـعون نعجـة ولي نعجـة واحدة فـقال أكفِلـْنيـها وعزّني في الخطاب” وأدرك داوود فداحة ما فعل، فتاب وأناب واستغفر وبكى حتى أنبتت الأرض من دموعه.

وبحسـب التـقرير فإنه يوجد حوالي 36 مليـون مليونيـر في العالم، في المقابل فإن أفـقـر 5ر3 مليار إنسان في العالم يمتلكون أصولاً أقل من 10 ألف دولار للشخص الواحد، كما أن حوالي 70% من سـكان العالم في سـن العـمل يمتـلكون حوالي 7ر2% فـقط من ثـروتـه. من هؤلاء المليونيرات 3ر15 مليـون مليـونير في الولايات المتحدة، في الوقت الذي  يعـيش حوالي 4,2 مليون طفل وبالغ شـاب من دون مأوى في الولايات المتحدة، على ما أظهرت دراسـة حديثة قُدمت على أنها الأكثر شـمولاً في هذا الموضوع. وطبق الباحثون في جامعة شـيكاغو تعريفاً موسـعاً لمفهوم التشرد، يشـمل الأشـخاص الذين يعيشـون في العراء، أو في الملاجئ، إضافة إلى الأشـخاص الذين يقيمون بشكل موقت لدى آخرين. وأوضح المشـرف على الدراسة ماثيو مورتون أن “الدراسـة هدفت إلى إعطاء الأمة للمرة الأولى رؤية أكمل عن الشباب المشردين من خلال إدراج شبان ما كانوا يُدرجون دائماً” في الدراسات السابقة.

·       قدمت شركة لتسيير القطارات في اليابان اعتذاراً للركاب، بسبب انطلاق أحد قطاراتها من محطته مبكراً عـشـرين ثانية عـن موعده المحدد، حيـث تحرك القـطار السـاعة 9.43.40 بدلاً من 9.44. أليس عادياً في الوطن العربي أن تتأخر الطائرة أو القطار أو الحافلة ساعة ولا يعتذر أحد؟ لماذا ليس للزمن قيمة عندنا؟


أليس هذا مدعاة للافتخار؟

تتمايز الدول بالقوة العسكرية والسياسية والاقتصادية، أو بالتفوق العلمي والثقافي والحضاري، أو بالتقدم في مجالات النشاط الإنساني، فالولايات المتحدة مثلاً الأولى عالمياً في القوة العسكرية والاقتصاد والتأثير السياسي، بينما تميزت سنغافورة التي كانت دولة فقيرة معدومة الموارد بالعلم وبأفضل نظام تعليمي في العالم، وبالخبرات البشرية.

في الأسبوع الماضي تميزت قطر بأمرين لم يجر التركيز عليهما.

فقد تصدرت دولة قطر للعام التاسع على التوالي (2009- 2017) قائمة دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مؤشر السلام العالمي Global Peace Index ،كما احتلت المرتبة الـ(30) على المستوى العالمي من بين (163) دول شملها تقرير معهد لندن للاقتصاد والسلام.

وصنف التقرير الذي يصدره معهد لندن للاقتصاد والسلام (بالتشاور مع فريق دولي من الخبراء و المعاهد و مراكز البحوث، وبالتعاون مع مركز دراسات السلام والنزاعات في جامعة سيدني ) دولة قطر بأنها الدولة الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي تعد ضمن الخمسين دولة الأكثر أمناً على مستوى العالم، وأحرزت معدلات تقييم عالية في محاور من أبرزها (تدني معدلات الجرائم بها، وانخفاض معدلات ارتكاب جرائم القتل، وانخفاض عدد السجناء فيها، واستقرار الأوضاع السياسية، وخلو مجتمعها من الإرهاب، والعلاقات الدولية الجيدة، ولا تواجه تهديدات أو صراعات سواء كانت داخلية أو خارجية).

ويعتمد تقرير مؤشر السلام العالمي على معايير منها الشؤون الداخلية والخارجية للدول مثل الاستقرار السياسي، ومدى انتشار الجريمة، ومستوى احترام حقوق الإنسان، ومدى العنف المنتشر بين أفراد المجتمع، والصراعات الداخلية، والعلاقة مع البلدان المجاورة، والجرائم الإرهابية الواقعة على أراضي الدولة، ومدى انتشار الفساد، والمساحة المتاحة لحرية الإعلام، ومشاركة المرأة في الحياة العامة والحياة السياسية، ومدى الرعاية الصحية المقدمة للسكان وفرص التعليم وغيرها.

وفي الأسبوع الماضي حصل مطار حمد الدولي على جائزة “أفضل مطار في غرب آسيا” للمرة الثالثة على التوالي في حفل توزيع جوائز “فيوتشر ترافل اكسبريينس آسيا” 2017 Future Travel Experiences Asia، حيث اختارت الفائزين لجنة تحكيم مكونة من كبار التنفيذيين في القطاع من جميع أنحاء العالم، وتفوق مطار حمد الدولي على عدد من أهم مطارات المنطقة، حيث تمنح هذه الجائزة للمؤسسات التي تمتاز بقيادة مبتكرة والتزام بتحسين تجربة المسافرين.

وأشاد مؤسس “فيوتشر ترافل إكسبريينس آسيا”، بالإنجازات التي تحققت في مطار حمد الدولي في فترة وجيزة، حيث أصبح منذ العام 2014 مثالاً على ما يجب أن يكون عليه المطار في هذا العصر.

يحق لقطر أن تفاخر.


مقتطفات صحفية 46

·       ليس الخطـأ دائماً نحويـاً أو صرفياً أو عروضياً إذا تضمنت المقالـة شـعراً، بل قـد يكون ركاكة في التعبير، متضمنة خطأ نحوياً. كاتب مخضرم كان يتحدث عن شاعري العراق الأشـهر جميـل صدقي الزهاوي ومعـروف الرصافي، ومن المعـروف أن العـداوة دامت بينهما حتى آخر العمر، قال الكاتب “كان يكره أحدهما الآخر” لاحظوا الركاكة، فأين هو “اسـم” كان و”خبرها”؟ ونفهم من الجملة أن أحدهما كان يكره الآخر، فمن أحدهـما ومن الآخر؟ ويقصد الكاتب أن كلاً منهما كان يكره الآخر، فلماذا لم يقل هذا ببساطة؟

·       قلنا كثيـراً إن العتب على قدر العلم أو ادعائه. هذا كاتب وشـاعـر وباحث وناقد منذ أكثر من خمسـين سـنة ينقـل بيتين يقـول إنهما للشـاعـر الصعلوك “تأبط شـرّاً” فيقـع في جملة أخطاء: البيتان ليسـا لـ “تأبط شـرّاً” وليسـا في ديوانه، وفي كتب جامعة عـدة ورد البيتان بعـد القـول “وقال رجـل من نهـد” وهي إحدى القبائـل العربيـة، ومنها الشــاعـر العاشـق المشهورعبد الـلـه بن العجلان النهدي. وهذا هـو البيت الأول كما أورده الكاتب:

إذا لـم أزر إلا لأكــل أكـلــة     فلا رفعت كفي إلى طعامي

والبيت بهذا الشكل مكسور، وهو من البحر الطويل، والسـبب أنه أثبت “لأكل” وهي في الأصل “لآكل”، وقال “إلى طعامي” وهذا خطأ أيضاً والصحيح “إلي” وكم نبهنا إلى هذا الخطأ الإملائي الذي قد يؤدي إلى كارثة لغوية، وهو إثبات الألف المقصورة “ى” مكان الياء ”

قال في العنوان “حكميات” ولا معنى لهذه الكلمة، والحكمة معروفة وجمعها “حِكم”

·       بعض المقالات كارثة لغوية، إذ لا يعقل أن تغص المقالة بعدد من الأخطاء التي لا يجوز أن يقع فيها طالب في أول المرحلة الثانوية مثل “فكان الواقع مختلف” لماذا ليس مختلفاً؟ أليس اسـم كان؟ ويعلـم أن زواج (زواجاً: إسـم أن) آخر يعني مصاريـف إضافيـة ومهـر جديد (مهراً جديداً: معطوف على مفعول به) يشـكرها ويمضي كل منهم (منهما) لعالمـه (إلى عـالمه) الخاص. وتبلـغ المأســاة ذروتهـا حين يخطئ الكاتب إملائيـاً: “فـيغـلق باب الغرفـة ورائه” (وراءه) يا هذا، إذا كنت لا تعرف قواعد الهمزة المتوسطة، فكيف تدعي أنك كاتب؟ وكيف تنشر الصحيفة مثل هذه المآسي؟

·       هو كاتب وباحث وناقد ومترجم، ولكنه كثيراً ما يكتب في السياسة، قرأت له مقالة يقول فيها “لم تشـهد مقداراً من الإدقاع والتهافت والابتذال، فضلاً عن القحة وانحطاط التفكير وبذاءة الحجة واستنقاع العقل، مدانياً لهذه المنظومة السياسية ـ الأخلاقية”

تلاحظون أن لغة الأدب غلبت الكاتب، فما معنى الكلمات التي كتبها؟ الإدقاع: من الفعل “دقع” ودقـَع الرجل وأدقع: لصـق بالتراب فـقراً وذلاً، وأدقع: افتـقر. التهافت: من الفعل “هفـَـت” وهـفت الشيء تطاير لخفـته، وانخفض واتضـع، أي أصبح وضيعاً، وتذكرون كتاب الإمام الغزالي “تهافت الفلاسـفة” الذي رد عليه ابن رشـد بكتاب “تهافت التهافت” الابتذال من الفعل “بذَل” والبذْل: ضد المنع، ولكن ابتذال الثوب: امتهانه، أي الثياب التي لا يهتـم لابسـها بها، لأنها مما يسـعى بـه في بيته. و”القِـحَة” من الفعـل وقـُح الرجل: أي صار بلا حياء، أي هي “الوقاحة” وهو وقِح. أما “استنقاع” فمن الفعل “نقع” والنقـْع هو الماء الناقع، أي الذي لا يجري، ومنه المستنقع، وهذا مصطلح جديد: استنقع، أي تحول إلى مستنقع.

هـذه لغة راقـية جداً طربت لهـا، ولكنني أسـأل صديقي الكاتب: كم من قـراء الصحيفـة اليومية سيفهمون هذه المصطلحات؟

·       كم مرة يجب أن نعـيد شـرح الفعل اللازم والمتعدي؟ وكم مرة يجب أن نكرر شـرح المتعدي نفسه والمتعدي بحرف الجر؟ المتعدي بنفسه أيها الكتاب هو الذي يصل إلى مفعـولـه مباشـرة، والمتعـدي الآخر يحتـاج إلى حـرف جـر، والمتعدي لا عـلاقـة له بالعدوان والاعتداء، إن هذا من دروس اللغة في الإعدادية، فهل ثمة كاتب لم يدرس الإعدادية؟ أقـول قولي هـذا وأنا أقرأ عنواناً لكاتب صحفي منذ أكثر من نصف قرن يقول “الحوار الذي عودنا على الدم” وتعدية فعل “عوّد واعتاد وتعوّد” بحرف الجر “على” من اللغة العامية، وهي كثيرة الورود في كتابات الصحفيين، ويبدو أن هؤلاء لم يعودوا إلى المعجم يوماً، ولا إلى أمهات الكتب، ولا إلى شعر الفحول.  ومثل هذا فعل “أدمن” وهو فعل يتعدى بنفـسـه، وقد قرأته عشـرات المرات عند بعض الكتاب متعدياً بحرف “على” وهذا من العامية أيضاً. عيب والـلـه أن يخطئ كاتب بعد نصف قرن من الممارسة مثل هذا الخطأ.

·       من أبسط قواعد النحو قاعدة اشتقاق اسم الفاعل من الفعل الثلاثي والرباعي والمزيد، وهو من الثلاثي على وزن “فاعل” ما عدا حالات قليلة شاذة (كتب: كاتب، برع: بارع، سهر: ساهر، نصر: ناصر) أما من الرباعي والمزيد فإننا نأخذ مضارع الفعل، ونقلب الحرف الأول ميماً مع كسر ما قبل الآخر (أكرم: مكرم، شجّع: مشجع، تكلم: متكلم، اجتمع: مجتمع).

أشهر الأخطاء في هذا المجال استخدام البعض “ملفت للنظر” لأنه اشتقاق من الفعل “ألفت” وليس في المعجم فعل كهذا، إنما هو “لافت” من فعل “لفت”، ومثله ما يكتبه بعضهم “الراسل” وهو اشتقاق من الفعل “رسل” لكن الفعل الصحيح رباعي “أرسل” ويكون اسم الفاعل منه “مرسل”.

وقرأت في مقالة لكاتب شهير”القوي الماسك بزمام المبادرة” والصحيح “الممسك” لأنه اشتقاق من الفعل “أمسك”. وقرأت لكاتب آخر “والفاسحين المجال” اشتقاقاً من الفعل “فسح” بثلاث فتحات، وهذا صحيح معجمياً: فسح له في المجلس، أي وسّع له، ومع ذلك أفضل أن أقول “المفسح” اشتقاقاً من الفعل “أفسح” لأنه أشهر بين العامة والخاصة.

·         كتب أحدهم “معطيات كثيرة تشير إلى تغيّر بيِّن” هذا كلام فصيح مائة في المائة ولا غبار عليه، ولكن! أليسـت كلمة “بيّن” صعبة قليلاً على القارئ العادي؟ ألم يكن يسـتطيع القول: تغيّر واضح؟

·       كتب أحدهم “أين هو ذاهب” هذه ترجمة فصيحة للقول: إنت رايح فين؟ ولا علاقة لها بالفصحى، بل نقول: إلى أين يذهب؟

·       أحد كتاب إحدى الصحف الخليجية متبحر في اللغة العربية، وهي عدته الأساس في معظم ما يكتب، أشترك وإياه في عشق اللغة والدفاع عنها، كتب في مقالة مؤخراً “النظام العربي الذي يخضم خيار السلام الاستراتيجي” وتوقفت عند الفعل “يخضم” هذا هو المضارع من فعل “خضم” ولا بد من ضبط الفعل بالحركات وإلا صعب على الجميع قراءته (خضِمَ يخضَم خضْماً) والخضم: الأكل عامة، وقيل: مَلْءُ الفم بالمأكول، والخضم للإنسان بمنزلة القضْم للدابة، قال الشاعر يهجو أنصار مصعب بن الزبير:

رجَوا بالشِقاق الأكلَ خضْماً فقد رضُوا

أخيراً منِ اكْلِ الخضْمِ أن يأكلوا قضْما

هذا كلام شديد الفصاحة، ولكنني أسأل صديقي الكاتب: كم من القراء سيعرفون معنى ما كتب؟ بل كم منهم سيعرفون قراءة الفعل قراءة صحيحة؟ لا أعتقد أنه كان عاجزاً عن المجيء بفعل أسهل، أو أن يعيد صياغة الجملة كلها بطريقة أبسط.

 


الوعد المشؤوم

في طفولتي كانوا يجمعوننا في باحة المدرسة في الثاني من نوفمبر، ويلقي أحد المعلمين كلمة لا نفهم الكثير منها، ويكتبون لأحد التلاميذ كلمة يدربونه على إلقائها، وترسخ في أذهاننا استنكار الوعد المشؤوم، واحتجنا إلى سنوات طويلة لنعرف أن المقصود “وعد بلفور” وإلى سنوات أخرى لنعرف بلفور ومضمون الوعد.

وكانوا “يشحنون” الفلاحين من قراهم إلى المدينة للمشاركة في المظاهرة استنكاراً لوعد بلفور، وكان أحد الشباب المتعلمين (ربما معلم المدرسة الوحيد) يقف في مقدمة الشاحنة ويهتف “فليسقط وعد بلفور” فيرد عليه الفلاحون “فليسقط واحد من فوق”، هؤلاء فلاحون بسطاء أميون، فما عذر شباب أجرت قناة تلفزيونية فلسطينية استطلاعاً بينهم فلم يعرفوا بلفور ووعده المشؤوم؟

ما زال اليهود أقلية في العالم (13,4 مليون حسب إحصاءات إسرائيلية عام 2010) ولكنهم متضامنون بشكل غريب، وقد أدركوا مبكراً أن منبع قوتهم العلم والمال والصحافة (الإعلام والسينما فيما بعد) وجماعات الضغط (اللوبي) وقد حققوا هذا كله بنجاح، فماذا فعل العرب والفلسطينيون خلال الأعوام المائة؟

كانت بريطانيا تستعمر فلسطين بما سُمي “الانتداب” وبحكم هذا الواقع سهلت هجرة اليهود بتسارع كبير إلى فلسطين، وأعطتهم الأراضي الحكومية التي ورثتها من العثمانيين، وسهلت لهم التغلغل في المجتمع، والتوسع في الاستيطان، كما سهلت لهم تشكيل العصابات المسلحة بل سلحتها في بعض الأحيان، يطالب الفلسطينيون والعرب بريطانيا اليوم بالاعتذار عن وعد بلفور، وماذا فعلتم سوى الشجب والاستنكار والتظاهر؟

قد لا يعرف كثيرون أن الثورة الكبرى في فلسطين (1936 – 1939) قامت بعد استشهاد القائد العربي عز الدين القسام، وفي 23/5/ 1939 أقر البرلمان البريطاني ما عرف باسم “الكتاب الأبيض” الذي يقول حرفياً: “إن حكومة صاحب الجلالة تعتقد أن واضعي نصّ وعد بلفور لم يقصدوا أن تتحول فلسطين إلى دولة يهودية ضد إرادة السكان العرب فيها، لذلك فحكومة صاحب الجلالة تعلن الآن بوضوح أن ليس من سياستها أن تصبح فلسطين دولة يهودية، بل ترى أن ذلك يناقض التزاماتها للعرب بموجب الانتداب، والتأكيدات التي أعطيت للعرب في السابق أنهم لن يصبحوا مواطنين في دولة يهودية ضد إرادتهم”. فلماذا لم يبن العرب مطالباتهم على هذا البيان الواضح؟

قسّمت الأمم المتحدة فلسطين بظلم كبير للفلسطينيين، ورفضنا قرار التقسيم، وقامت الحرب، واحتلت إسرائيل أكثر مما أعطيت، ثم هزمنا عام 1967 وأكملت احتلال فلسطين والجولان وسيناء، ، وجاءت اتفاقية أوسلو 1993 لترسخ هذا وتطالب إسرائيل بالعودة إلى حدود 4/6/1967 أي سامحتها بما استولت عليه (78% من فلسطين)، وجاءت المبادرة العربية للسلام 2002 لتؤكد هذا. دعونا نهتف “فليسقط واحد من فوق”.


بالعقل والعلم تُبنى الأوطان

وصلنا إلى حد التخمة بأخبار القتل والتدمير التي تلاحقنا من العراق إلى سورية إلى اليمن إلى ليبيا إلى مصر، وربما إلى أمكنة أخرى. ولا نستطيع أن ننعزل عن العالم، فترانا ننشغل بأخبار الروهينجا، والمهاجرين بقوارب الموت وغير ذلك من الأخبار. تشاهد الشاشة أو تقلب الصحيفة فتخاف أن تندلق منها الدماء والأشلاء، وتهرب من هذا إلى مجالات أخرى، ولكنك لا تجد إلا برامج التفاهة وتسطيح العقل. في هذا الزحام وجدت خبراً مثيراُ.

انهار موقع جامعة كيمبردج الإلكتروني. لم يكن هذا بسبب قرصنة أو هجوم إلكتروني، بل لأن الجامعة عرضت مادة كانت حبيسة الأدراج (إن صح التعبير) سنوات طويلة، وقررت الجامعة العريقة إتاحة رسالة الدكتوراة (خصائص العوالم الموسعة) Properties of expanding universes التي كتبها عالم الفيزياء الفلكية البريطاني ستيفن هوكنج عام 1966 للتحميل المجاني، فانصبّ على الموقع 60 ألف طلب في وقت واحد، وكان هذا فوق طاقة “السيرفر” على التحمل.

يعاني هوكينج مرض العصب الحركي منذ كان في الـ 21 من عمره، عام 1963. في ذلك الوقت، تنبأ الأطباء له بأنه لن يعيش أكثر من سنتين، لكنه ما زال حياً (!!!) ويعمل. ولا نستطيع الاستطراد في سرد حياة هوكنج العجيبة، فهو معجزة تتحرك على كرسي، لكنه في عام 1988 نشر كتابه “تاريخ موجز للزمن” الذي حقق مبيعات وشهرة عالية، بل إنه صار أكثر الكتب مبيعاً Best Seller.

ما يهمني الآن من هذا وذاك من أخبار هوكنج، أن كتابه في الفيزياء الفلكية كان أكثر الكتب مبيعاً، ولا أعتقد أن أحداً اشتراه ليزين به غرفة الضيوف في بيته، بل ليقرأه، أو على الأقل ليطلع عليه، وأن الدكتوراة التي أفرجت عنها جامعة كيمبريدج سببت توقف الموقع بسبب الضغط الشديد، وقيل إن عدد من زاروا الموقع وصل إلى 700 ألف زائر، والأطروحة المعروضة للتحميل رسالة دكتوراة في الفيزياء النووية.

إن أجيالاً درست وتعلمت وتريد أن تفهم ، وتبحث عما يوسع مداركها، وتهتم بالكون والفلك، إلى درجة التهافت على تحميل رسالة دكتوراة، لا على تحميل أغنية لهذه أو تلك ممن يغنين بأجسادهن، أو مسرحية تهريج تبكي أكثر مما تضحك، أو حلقة من مسلسل يشوه تاريخ بلد. إذا سألنا طلابنا الجامعيين على مستوى الوطن العربي: من هو ستيفن هوكنج؟ كم عدد الذين سيعرفون الجواب؟ لن نسأل طبعاً عن أشهر أعماله. اسألوهم عن مؤدية “جيب الجول” 99% سيعرفون الجواب. لم تتقدم أمة بكرة القدم وتهريج التلفزيون، بل بالعقل والعلم، والأدلة أكثر من الإحصاء في الزمان والمكان.


مقتطفات صحفية

 

·       استغربت وأستغرب دائماً ممن يستسهلون إيراد الكلمات في عناوين مقالاتهم دون تمحيص لغـوي. أيها الإخـوة التزموا بهـذا التمحيص في العناوين على الأقـل. وضع أحدهـم عنواناً لفقرة في مقاله “عماء ألوان” وهو يعرف أن الكلمة غـير صحيحة، بدليل أنه قال في صلب المقال “الصبي المصاب بعـمى الألوان” لكنه عاد فقال “أنا السـوري، الفلسطيني، المصاب بالعماء نفسه” ولو أنه أتعب نفسه بالعودة إلى المعجم، أو بسؤال أهل الذكر، لوجد أننا نقول “عميَ يعمى عمىً فهو أعمى وهي عمياء” ولكن! لاتعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب.

·       من ضمن هـذا الاسـتسهال ما قرأته في عنوان إحدى المقالات “زوجات يرحبن بضراتهن” وبالمناسبة يخطئ معظمنا في نطق الكلمة، فهي “الضَرّة” بفتح الضاد، بينما نلفظها الضرة (بضم الضاد) ونعني بها عادة الزوجة الثانية، وهذا غير صحيح، الضرتان: امرأتا الرجل، كل واحـدة منهمـا ضـرة لصاحبتهـا، وخطأ الكاتب أنه جمع “ضرة” على ضرات، بينما لم ترد جمعاً إلا “ضرائر” فإذا كان كاتب يبلغ عمره المهني نصف قرن لا يتحرى الدقة، فهل أعتب على كاتب مبتدئ؟

·       لم أعد أذكر عدد المرات التي نبهنا فيها إلى هذا الخطأ الشنيع الشائع “يافطة” كقول أحدهم في مقالة “الجهود منصبة على توحيد يافطة الفصائل” مبتعداً ومبتعدين عن الكلمة الأصلية الصحيحة المعبرة “لافتة” ولعلكم قرأتم مئات المرات “ورفعـوا الأعلام واللافتات” واللافتة هي القطعة من قماش تشـد بين عصوين ليحملهـا اثنان، أو القطعة من ورق مقـوى يحملهـا شـخص واحد، وفي الحالتـين تكتب عـليها كلمات تعبر عـما يريد الشـخص أو الأشـخاص “لفت” الانتباه إليه، أما “اليافطة” فإنها اسم الفاعل المؤنث من فعل “يفط” والمصيبة أن هذا الفعل غير موجود في المعجم العربي، فلماذا هذا الجنوح إلى الخطأ؟

·       رحم الـلـه أيام الكتابة بالقـلم، وتسـليم المقالة باليد أو عن طـريـق البريد، أو حتى بالفـاكس، فـقد كانت المقالة “تُجمع” طباعـياً، ومن بعد كومبيوتـرياً، ويدقـقها المدقـقون اللغويون، أما زال في الصحف مدقـقون لغويـون؟ لا أعتـقد هذا، فالكاتب يكـتب مقـالتـه بالكومبـيوتر، ثم يرسـلها إلى الصحيفـة، فيتلقـاها المحـرر الذي يراقـب ما فيها دون الاقـتراب من اللغـة، ثم يحيلها إلى المخرجين الذين يعـيدون هندستها، لتصبح ملائمة للمساحة المخصصة، وانتهى دور التدقيق. في الصحف العالمية ثمة من يعيدون كتابة المقالة Rewriter  كلها أو أجزاء منها ولا نطالب بهـذا، بل بعـودة المدقـق اللغـوي، كي لا نجد هـذا “الكمّ” من الأخطاء في مقالـة واحدة.

كتبـت إحداهـن في العـنوان “مُدرّسة ابنـتي العجـوزة جـداً” والمـرأة الكبـيرة السـن تسـمى “عجـوزاً” ويقول لسـان العرب: والعامة تسـميها عجوزة، هي إذن من العامية، والصحيح “العجوز جداً” وكتبت “وستبرينا الأيام كما برت من قبلنا” ولا علاقة للأمر بالبرء والشفاء بل هـو من “بري” الأقلام بالمبراة، وقالت “ثمة أحداث تدق ناقوس الزمن لتسـتفيقنا” وهي تعني “لتفيقنا” أي توقظنا، وقالت “لم نقابلهم ولم نراهم منذ الطفـولة”  والصحيح: لم نرهم، لأنه معطـوف على فعـل مجزوم “لم نقابلهـم” وجـزم الفعل المقـصور حذف حـرف العلـة. وقالت: “ثم إنهما لم يتداولون” وهنا خطأ مزدوج، فالفعل يجب أن يكون “لم تتداولا” لأنهما بنتان، وهو مجزوم بـ “لم”. وفي قولها “لا نسـعى لعلاج هكذا التصاق” خطأ مزدوج أيضاً، فالصحيح “نسعى إلى” والتعبير “هكذا التصاق” خطأ شنيع شائع، لأن الكلمة للتشبيه، فماذا شـبهت وبماذا؟ وفجأة أرادت أن تكون فصيحـة “نتمثـلهم ونحـذو حذوهم حذاء بحذاء” ولـو أنها شـطبت الكلمتـين الأخيرتين لسـلمت، فالعرب تـقـول “حذوك النعل بالنعل” وهذه ليست شتيمة، قال عمر بن أبي ربيعة:

         فـلمـا تواقـفـنـا عـرفـت الـذي بـهـا    كمثل الذي بي حذوك النعل بالنعل

وأرادت أن تـتفاصح أيضاً فـقالت “فـوضعـت يدي على فاهي” أي: على فمي، يا للروعـة! ونسـيت أن “فو” من الأسـماء الخمسـة، وهـذه ترفع بالواو، وتـنصب بالألف، وتجر بالياء، ولعلكم تذكرون حكايـة الأصمعي عن بنت بدوية سـمعها تـنادي أباها وبين يديها قربة ماء: “يا أبت أدرك فاها، لا قـدرة لي على فيها، قد غـلبني فوها” أما كان أولى بالكاتبة أن تقول: “على فمي” وخذوا هذا المثال على الركاكة مع وجود خطأ لغوي أتركه لكم لتـتبينوه: حـتى أننـا (إننـا) من سـرعـة إفـلات الأمس مـن بيـن أيدينـا، فـإنـنا نـحـاول الإمسـاك بـهـمـا ولـو بذاكرتنا.

·       يـزعـج القـارئ المـدقـق اســتخـدام بعـض الكتـاب عـلامات التـرقـيـم بصــورة خـاطئـة، فيضعـون النقـطة مكان الفـاصلة، وعلامة الاسـتفهام مكان النقـطة بعشـوائية بشعة. أهـم العـلامات: الفاصلة، الفاصلة المنقـوطة، النقطة، والنقـطتان، عـلامة الاسـتـفهام، علامة التعجب وسـأنبه إلى الفاصلة المنقـوطة ( ؛ ) لكثرة ما أجدهـا في المكان الخطأ، وأشـهر اسـتعمالاتها بين جملتـين تكون ثانيتهما مسـببة عن الأولى أو نتيجة لها، مثل:  لا تصاحـب شـريراً؛ لأن صحبـة الأشـرار تردي، وبين جملتـين تكون ثانيـتهمـا سـبباً في الأولى مثـل: احترس من الإهمال؛ حتى لا يتفوق عليك غيرك. إحدى الكاتبات مغرمة بعلامة الاستفهام، حتى إنها قد تضع أربع علامات بعد كلام ليس سؤالاً ولا استفهاماً.


جميع الحقوق محفوظة 2012 ©
iDream theme by Templates Next | Powered by WordPress