أصل الحياة واستمرارها

غـداً تـتزين الطبيعة. إنه “النيروز” أو عـيد الربيع، وهو حسـب تـقسـيمات الفصول أول أيام الربيع، وقد تعلم العـرب الاحتـفال به من الفرس حتى فاقوهم، وذكره الشـعراء في قصائدهـم وأطنبوا:

أتاك الربيع الطلـْق يختال ضاحكاً    من الحُسـن حـتى كاد أن يـتكلـمـا

وقد نبّه النيروز في غـلـس الدجى    أوائــل ورد كـنَّ بـالأمـس نـُـوّمـا

يا لروعة البحتري الذي يحوك سلاسل الذهب.

لكننا لانحتـفل بهـذا اليوم لأنه أول الربيع، ولا سـيما في هذه المنطقـة حيث لاتـتتابع الفصول كما درسناها، بل لأنه عيد الأم أو “يوم الأم” إذا شـئتم، وبالمناسبة إن العيد كل يوم فيه تجمع واحتفال، وقد جاءنا هـذا الاحتفال من الولايات المتحدة، وليس عيباً أن نتعـلم الأشياء الحسنة حتى من أعـدائـنا، ولا أظن أن أحـداً يرى في الاحتـفـال بالأم أمـراً سيئاً.

ما من شريعة سماوية أو وضعية كرّمت الأم كما فعل الإسلام ونبيه صلى الـلـه عليه وسـلم، وشاءت إرادة المولى عز وجل ألا يسلم من أولاده صلى الـلـه عليه وسلم إلا الإناث، هل من غـضاضة أن يكنى رسـول الـلـه بابنته فنـقول “أبو الزهـراء” وهـو اسـم فاطمة سـيدة نسـاء العالمين رضي الـلـه عنها وأرضاها؟ ولنتذكر الآية الكريمة “لا تقل لهما أفّ ولا تنهرهما” يا للروعة! حتى كلمة ضيق واحدة تعد جريمة إذا قـلتها للأم أو الأب، حتى أن تـرفع صوتك في وجه أحدهما جريمة. ويحدثنا الـلـه سـبحانه وتعالى عن غـباء أهل الجاهلية، إذ قال تعالى في سـورة النحل “وإذا بُـشـِّر أحدهـم بالأنثى ظل وجهـه مسـودّاً وهـو كظيم”، والمؤسـف أن بعـض الناس ما زالوا يظهرون هذا بعد قرون. وينسى هؤلاء وأولئك أن هذه الأنثى ستصير زوجة وأماً، كما صارت أنثى قبلها أمّه وزوجته.

إنهـا مصادفـة رائعـة أن نحتـفل في الثامن من هـذا الشـهر بيـوم المـرأة، ثم نخصّ الأم بيـوم مســتقل، وأن يصادف هذا اليوم أول الربيع، وكما تـتفتح الطبيعة في هـذا اليوم في عـطاء لا ينتهي بإذن ربها، يظهر العطاء في هذه المرأة التي تجسد القيم النبيلة في الكون كلها. وأحسن الأولون حين وحّـدوا بين الأم والأرض، نـقول دائماً: أمّـنا الأرض؟ وكم هي اللغة العربية عظيمة حين اشتـقت الأم والأمة من جـذر واحد! وها نحن نطـلق كلمة الأم على كل شيء عـظيم: اللغة الأم، أم الكتـب (الفاتحة) أم القـرى (مكـّة) أمهات المـؤمنين، أم المعارك. وقديماً لم يكن عاراً أن ينتسـب المـرء إلى أمّـه، ألا تذكرون الملك عمرو بن هـند الذي قـتله الشاعر الفارس عمرو بن كلثوم لأن أم الملك تعمدت إهانة أم ابن كلثوم؟


العباقرة خالدون

تحـل اليـوم الـذكرى 115 لميـلاد الفـنـان العـبـقـري المجـدد محـمـد عـبد الوهـاب (تـوفي في 4/5/1991) أي إنـه عـاش تسـعاً وثـمانيـن ســنة. ياه .. كم تمـر الأيـام والسـنـوات سـريعـة، تصوروا، أكثر من ربع قرن مضى على غياب موسيقار الأجيال ولكن! هل غاب فعلاً؟ أم ما زال حيـاً أكثر من كثيـر من الأحياء؟ من يـنسى الأغـنيات التي لحنها سـواء تلـك التي غـناها بصوته أو التي قدمها بصوت غـيره؟ قيل إنه صنع 1800 لحن، لنفترض أن ألفاً منها سرقها من غـيره، أو كانت تافهـة، يـبقى له ثمانمائـة أغـنية لا يختلف اثـنان في جـودتها، أليس هـذا كافياً للحديث عـن خلوده؟ بلى، وأضف إلى ذلك روائع الأغـنيات التي لحنها وقدمها بصوتـه وأصوات الآخرين.

عرف محمد عبد الوهاب بلقب “موسيقار الأجيال” لأنه جدد نفسه باستمرار، ولم يتوقـف عند الصيغ القديمة التي ورثها عن الآخرين، وجارى تغير الأذواق من جيل إلى جيل. بدأ معـتمداً على صوته الذهبي، مؤدياً أصعب ألوان الغناء العربي، الموال والدور والقـصيدة والموشـح، ولكن طمـوحه كان يدفعه إلى اقـتحام عـوالم جديدة، فأدخـل كثيـراً من الآلات الموسـيقية إلى “التخت الشرقي” وكان بالتالي أحد أعظم من طوروا هذا التخت إلى فرقة موسيقية، كما أجاد الاقتباس من الموسيقى العالمية بأنغامها وإيقاعاتها. كما قدم الموسيقى البحتة في نحو خمسين قطعة موسـيقية على مدى أربعة عقود استخدم فيها طرقاً وأسـاليب مختلفة، وكان يمكن لهذه الخطوة مع خطوات فنانين آخرين أن تؤدي إلى ارتقاء التأليف الموسيقي العربي، لكنه حقـق نوعا من الريادة بفضل القواعد الجديدة التى أرسـاها، ولموسـيقى عبد الوهاب سـمات كثيرة يمكن جمعها تحت عنوان رئيسي واحد هو التحرر.

إن نموذج محمد عبد الوهاب فريد ومن الصعب أن يـتكرر، فما يجـود الزمان كل يوم بمثـل هـذا الصوت الماسي، لكن عبد الوهاب كان من الذكاء بحيث أدرك قبل غيره أن رنة صوته المعجـزة بدأت تـتضاءل، ولذلك بدأ منـذ الأربعـينات إدهاش المسـتمع بلون جديـد في تلحيـن القصائد ، وعلى ذكر القـصائد كان لمحمد عبد الوهاب فضل كبير في الارتقاء بكلمات الغناء العربي، ولا غرابة في هذا، فهو ربيب أمير الشعراء أحمد شوقي الذي كان معلماً له ومرشداً في الحيـاة، ومن أجله كتب أغـنيات بالعامية من أجمـل ما غـنى محمـد عـبد الوهـاب. ويعـود الفضل إلى محمد عـبد الوهـاب في اقـتحام عالم تلحيـن القصيدة متعددة القـوافي، منذ رائعـته الخالدة الجندول 1944.

محمـد عـبد الوهاب نموذج يحتذى لمن يسـتعجلون النجاح والشـهرة، لكنهـم كنار القـش التي تتأجج بسرعة، وتنطفئ بالسرعة ذاتها.


كثيراً ما نقرأ

 

·       ترددت هذه الكلمة كثيراً في نشرات الأخبار “شفير” فتقرأ على الشاشة أو تسمع “الملايين على شفير الموت جوعاً في الدول التالية” ولا يلفت الانتباه في الجملة إلا كلمة “شفير” لأنها غير مألوفة في لغة اليوم. شفير الوادي: حدّ حرفه، وكذلك شفير جهنم والعياذ بالـلـه. وشفير كل شيء حرفه كالوادي والبئر ونحوهما. وقد وردت الكلمة عشرات المرات في الشعر، قال أبو تمام:

      مَـكـْراً بـنى رُكـنـيــه إلا أنـّـه     وطـَد الأساس على شفيرٍ هارِ

ولم ترد الكلمة في القرآن الكريم، ولكن القرآن أورد مرتين كلمة “شفا” الأولى في سورة آل عمران في قوله تعالى ” وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها” والثانية في سورة التوبة “أم من أمسى بنيانه على شفا جُرف هارٍ” والجرف ما أكل السيل من أسفل شقّ الوادي أو النهر، و”هار” متساقط ومنهار. ألا نستطيع القول: على حافة الموت جوعاً؟

·       قال أبو فراس الحمداني في قصيدته الشهيرة “أراك عصي الدمع”:

أسِرتُ وما صحبي بِعُزْلٍ لدى الوغى       ولا فرسي مُهرٌ ولا ربُّـهُ غَمْرُ

وكثيراً ما نقرأ “وقتل أكثر من خمسين من المدنيين العزَّل” فأيهما الصح وأيهما الخطأ؟ بسكون “الزاي” أم بتشديدها وفتحها؟

العُزُل والأعزل: الذي لا سلاح معه، قال الشاعر مادحاً:

   وأرى المدينة حين كنتَ أميرَها     أمِن البريءُ بها ونام الأعزلُ

وقد وردت الصيغتان في الحديث الشريف. وقد يجمع “العزُل” على معازيل، قال كعب بن زهير في قصيدته الشهيرة “بانت سعاد” مادحاً المهاجرين:

   زالوا فما زال أنكاس ولا كُشُف   عند اللقاء ولا مِيل معازيل

إذن الكلمتان صحيحتان لا فرق بينهما، ولكنهما لوصف الجمع وليس الفرد.

·       عندما يصدر قرار رسمي يذيَّل بعبارة “يعتبر لاغياً كل قرار يخالف أحكام هذا القرار” وكثيراً ما قرأنا مثل هذه العبارة في القوانين والمراسيم والاتفاقيات، وهو خطأ شنيع يتردد على ألسنة كثيرين وأقلامهم. “يعتبر لاغياً” هو اسم فاعل بصيغة النصب، فما فعله؟

لغا يلغو لغْواً: أخطأ وقال باطلاً، واللغو في اليمين إذا حَلَفَ بيمين بلا اعتقاد، وردت الكلمة ست مرات في القرآن الكريم، قال تعالى في سورة البقرة “لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم”  وإذا قلنا “كل اتفاقات مخالفة لهذا الاتفاق تعتبر لاغية” نكون قد أفحشنا في وصفها، قال سبحانه في سورة الغاشية “في جنة عالية، لا تسمع فيها لاغية” فكلمة لاغِيةٌ: فاحشة. وقيل أَي كلمة قبيحة أَي لا تسمع باطلاً ومَأْثماً.

ويقال: ألغَيت هذه الكلمة أي رأيتها باطلاً أو فضلاً،  كذلك ما يلغى من الحساب، وألغيت الشيء: أبطلته، وكان ابن عباس رضي الله عنهما، يلغي طلاق المكره، أي يبطله، هي إذن ألغى يلغي: أبطل يبطل، واسم الفاعل منه “مُلغي” واسم المفعول “مُلغى”

·         ما أكثر ما نقرأ “وكان هاوي صيد ورحلات” ونقرأ “وكان من هواة جمع الطوابع” ونقرأ “وكان قيس يهوى ليلى” أما الفعل “يهوى” فلا خطأ فيه، ومنه الهوى، قال العلماء: الهوى العشق، يكون في مداخل الخير والشر. وهَوى النفسِ: إِرادتها، والجمع الأَهْواء قال تعالى “ ونهى النفس عن الهوى” معناه نهاها عن شهواتها وما تدعو إِليه من المعاصي، لكن المشكلة في اسم الفاعل “هاوٍ وهاوية” وفي الجمع “هواة”، لأن اسم الفاعل “هاوٍ” من الفعل هوى، فهو يعني سقط، وهوى العقاب على الصيد: انقضَّ، ويقال: هوى إليه وأهوى إليه، وهَوَت يدي للشيء وأهْوت: امتدت وارتفعت، وقال بعض العلماء: هوى إليه من بُعد، وأهوى إليه من قرْب. فالفعل من “الهوى ” هوي، نقول: كان يهواها، ولكن ما اسم الفاعل في هذه الحالة؟ إنه “هويّ” أما اسم الفاعل “هاوي وهاوية” فمن الفعل “هوى”، وهنا ستعترضنا معضلة، هي جمع هذا “الهوي” يجب أن يكون “هوون وهوين” أما الهواية والهواة فاختراع حديث، كيف نحل هذه المشكلة؟

أرى أننا لا نقترب من المعنى الأصلي للفعل وهو سقط، ولكننا لا نستعمله إلا مع “الهوى” بمعنى هوى النفس، وأما الهاوي بمعنى غير المحترف فنبقيها، لأننا لن نقترب من الهاوي بمعنى الذي يهوي، ونبقي الهواة، كما نقول: الحاوي والحُواة، والساقي والسُقاة.

·       عندما يتحدث العامة عن رجل ما ويمدحونه، يقول لك المتحدث “شرواك بالخير” ويذكرنا هذا بجملة نقرؤها كثيراً “لا يملك شروى نقير” ونعني بها الفقير المعدم، فما معنى هاتين الكلمتين؟  الأصل في شروى أنها مشـتـقـة من الشِـراء، وشـروى الشـيء مثله. ويقـال: هـذا شـرواه وشَرِيُّه. وقال عمر بن الخطاب رضي الـلـه عنه: فلا يأخذ إلا تلك السِـنَّ من شـروى إبله أو قيمة عَـدْلٍ. أي مثل إبلـه. وقـضى شـريح الـقاضي على صبّـاغ أتلف ثوباً بشـروى الثوب أي بمثله. النَّقر والنُّقرة والنـقِير: النُكْتـة في النواة، كأن ذلـك الموضع نُقر منها. وهي نقطة صغـيرة في نواة أي ثمـرة يكون موضع الإنبـات منها. ولنلاحظ مدى صغـر الشـيء وتفاهته وقلـة قيمته. إذن “شـروى نقير” تعني شـيئاً عديم القيمة، كهذه النقطة في نواة الثمرة. قال تعالى “أم لهم نصيب من المُلك فإذاً لا يُؤتون الناس نقيراً”

·       فوجئت في إحدى المقالات بالكاتب يقول “فهو إذا آثر هذا قمين بأن …” وكنت أظن أن هذه الكلمة انقرضت على ألسنة الناس وأقلامهم، ولا تجدها إلا في الكتب القديمة وتساءلت عن مدى صحتها، وروي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: إِني قد نُهيت عن القراءة في الركوع والسجود، فأما الركوع فعظموا الله فيه، وأَما السُّجود فأَكثروا فيه من الدعاء، فإِنه قمِن أَن يُستَجاب لكم، يقال: هو قمَنٌ أَن يفعل ذلك، وقمِنٌ أن يفعل ذلك، وهو قمين بأن يفعل ذلك أي حرِيّ، والكلمتان من الكلمات التي انقرضت، ولم أقرأها منذ سنوات طويلة في الكتابات الحديثة.

·       كثيراً ما نقرأ في الكتب القديمة “لا تثريب عليك” ونفهم المعنى عامة بأنه: لا بأس عليك (والعامية المصرية تقول: لا باس عليك، والمغاربة عامة يستخدمونها كثيراً في السؤال عن الأحوال) ولكن ما معنى تثريب؟ أما المصيبة فهي أن يقرأها الذين تضايقهم الحروف اللثوية (الثاء والذال والظاء) فتصير: تسريب.

      التثريب كالتأنيب والتعيير والاستقصاء في اللوم، والثارب: الموبّخ، ثرَب وثرَّب وأثرب: وبّخ، وقالوا: مثرِب قليل العطاء: هو الذي يمن بما أعطى، وثرَّب عليه: لامه وعيَّره بذنبه، وفي كتاب الله الكريم “قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم” (92 سورة يوسف) قال اللغويون: معناه لا إفسادَ عليكم. وقالوا: معناه لا تذكر ذنوبكم.

·       قال صلى الله عليه وسلم “أكثر أهل الجنة البُلـْه” والبله جمع أبله التي نقرؤها دائماً بمعنى “أحمق” فكيف يستقيم هذا وذاك؟ أصل الخلاف أن الأبله هو الذي غلب عليه سلامة الصدر وحسن الظن بالناس، أي من نسميه “طيب القلب والسريرة” وهذا يعني أنني أبله لأنني أردد دائماً “كل إنسان خيّر إلى أن يثبت العكس”.

 

 

 

 


يجب أن يشمل العام كله

يحتفل العالم بعد غد باليوم العالمي للمرأة، وقد أقرت الأمم المتحدة هذا اليوم عام 1977، محاولة تدارك جزء من خطأ فظيع عمره من عمر تاريخ وجود الإنسان على الأرض، فالمجتمعات البشرية كلها منذ بداياتها حتى اليوم مجتمعات ذكورية.

لقد أنصف الإسلام المرأة، و”النساء شقائق الرجال” لكن المسلمين المتأخرين ابتعدوا عن «روح الإسلام وجوهره». أدوا الفرائض، والتزموا بالعبادات، لكنهم ابتعدوا في حياتهم اليومية قليلاً أو كثيراً عن الإسلام، بل إنهم عادوا في كثير من تصرفاتهم إلى أسوأ من الجاهلية بحجة العادات والتقاليد والأعراف.

فالمرأة مظلومة في العالم كله. لا تنال الأجر نفسه عن عمل تتساوى فيه مع الرجل، ولا تنال في أفضل الأحوال أكثر من 77% من أجر الرجل، ولا تحظى بفرص العمل كالرجل، ويمارس عليها التمييز في العمل من حيث تولي المناصب، بل تتعرض للضرب والإهانة والاغتصاب والقتل أحياناً، وثمة أرقام مخيفة عن العنف الذي يمارس على النساء، وتعاني بلدان كثيرة مما يسمى “جرائم الشرف”، لم يبق من الشرف ما يدافع عنه العرب والمسلمون (حتى في فلسطين) إلا فتاة أحبت، وتذهب عشرات النساء سنوياً ضحايا التعصب الأعمى، والقتل لأسباب كثيرة ليس بينها الشرف، هل انحصر شرف الأسرة أو القبيلة بفتاة؟ وتبين أن 80% من ضحايا جرائم الشرف في الأردن عذارى. أما المسلمون المقيمون في أوروبا فمصيبة أخرى، لماذا لم تبق في بلادك وتمارس على نساء بيتك العادات المتخلفة نفسها، كإجبار فتاة قاصر على الزواج برجل خمسيني ارتضاه لها أبوها؟

بالمقابل تحتاج البشرية الى قرون لتتخلص من هذا التمييز «الجنسي» فقد نالت المرأة في معظم دول العالم حق الترشيح والانتخاب لكنها لم تستطع تحقيق اكثر من 21,8% من مقاعد برلمانات العالم، أما المناصب الوزارية فلا تتجاوز حصتها منها 17،1% ولا تتجاوز نسبة النساء بين قادة العالم 18%.

أمر جيد أن نخصص يوماً في السنة للمرأة ليكون عيداً لها ولكن قيم هذا اليوم ومعانيه يجب ان تشمل العام كله، ومن الخطأ الشنيع اعتبار المرأة وسيلة لتحقيق المتعة، او وعاء لإنجاب الأولاد، أو خادمة “مجانية” في البيت، فالمرأة هي الأم والأخت والبنت والزوجة، وهي النصف «الأجمل» من المجتمع، وإن كان هذا لا يلغي عقلها وقدراتها ومشاركتها الفعالة في التنمية والتطور، وانظروا إلى الإعلام العربي الموجه إلى المرأة، إنه يتعامل معها على أنها لا تهتم إلا بمكياجها وملابسها وعطورها وما إلى ذلك، أي إنها جسد دون عقل، فكيف تقبل أن تربيك أو تربي أولادك وتدير شؤون حياتك امرأة لا عقل لها؟


أنا خائف .. إذن أنا موجود

كنت أقلب أوراقي القديمـة فوجدت مقالات كثيـرة نشرتها قبل أكثر من عشــرين ســنة. وكالعادة ضحكت باكيا ً أو بكيت ضاحكا ً لا فرق ، فالأفكار التي تضمنتها تلك المقـالات ما زالت حيـة . الأفـكار الكبرى لا تـتغير بمرور السـنين (الحق والخيـر والجمـال) لكن المقالات تحكمها الظروف الآنية وتكون الأحداث باعثـة على كتابتهـا .

من هذه المقـالات القديمـة مجموعـة مقالات عنوان كل منها كلمـة واحدة ، وكنت أخطط يومهـا لجمعهــا في كتـاب ، وكتبت نحو عشــر مقالات ثم توقـفـت ، وأهملت المشــروع كله ، وألغيتهـا . كان من العناوين “الأرقام.. الفرح .. الغضب .. الحصـار .. الجـوع .. الخـوف .. الأحلام .. الحزن ..القهـر” وهكذا . ســأقـتـطف اليـوم من مقـالـة ” الخوف ” بعض الأســطر ، ويحزنني جدا ً أن مـا قـلتـه ” مُرمّزا ً ” ما زال يخـيفـني ، فكأن الزمن لم يتغير منذ 26/8/1989 .

” لا أدخل أي دائرة رســميـة دون أن أشــعر بالخوف .. أطالب بحقي وأنا خائف .. أقوم بواجبي والخوف يملؤني .. إذا رأيت خلفي في الشـارع سـيارة شـرطة بأبواقها وأنوارها المميزة ، أخاف أن أكون المطلوب .. “

” أسـافر خائفـا ً وأعود خائفـا ً .. لا يطمئن قلبي حتى تـقـلع الطائرة ، أو حتى أخرج من المطـار حين العودة ..لم يعد الخـوف عادة أو مظهرا ً سـلوكيا ً ، صار إدمانا ً ، أيعقل أن يدمن أحد الخوف ؟ دخل في تـكويني الجسـدي، صار من مكونات دمائي .. تموت خلايا جسـدي المملوءة خوفا ً، فتولد خلايا جديدة بنيتها الخوف .. هل أنا إنسـان خائف ؟ أم أنا الخوف تجسـد إنسـانا ً ؟ إذا قالوا : اطمئن ، شعرت بالخوف أكثر ، وقلت : الله يستر”

” أودع يومي بالخـوف ، فلســت أضمن شــيـئا ً حتى في نومي، وأخـاف من الغـد الآتي أكثر.. ماضيَّ مُـترع بالخـوف، وأخاف المســتـقـبـل .. أخـاف أن أســأل ، وأخاف – إذا سُـئلت – أن أجيب.. أخاف أن أتكلم، وأخاف أن أصمت ”

” أرضعـتـني أمي الخوف .. أخاف أبي، وعمي، وأخي الأكبر. أخاف المعلم والشــرطي في الشــارع ، وعفاريت الظلام .. أخاف الفـقـر وما تأتي به الأيام .. أريد أن أبوح للورق بخوفي ، ولكني لم أعد واثقا ً حتى بالورق .. عشت حياتي أسير ” الحيط الحيط ” ولكن الحائط صار مخيفا ً.. أخاف هذا الخوف الذي يلازمني ، وأخاف أن يكتشف الآخرون خوفي .”


مقتطفات صحفية 38

·       ألزمت نفسي في كل ما أكتب بأنني حين أريد الاستشهاد بآية كريمة أو حديث شريف لا أعتمد على الذاكرة، فقد جلَّ من لا يخطئ، والخطأ هنا لا يجوز، ولذلك أعود إلى القرآن الكريم وكتب الحديث لأنقل الآية أو الحديث بنصهما الصحيح، حتى لو كانت الآية من قصار السور، أو كان الحديث مما هو شائع كثيراً.

أورد أحد الكتاب وهو سياسي لبناني يزين اسمه بلقب “دكتور” قول الـلـه سبحانه وتعالى في الآية 22 من سورة الغاشية “لست عليهم بمسيطر” لكن الدكتور أخطأ في الاعتماد على ذاكرته، فكتب “بمصيطر” والسبب أن الحروف يتأثر نطق بعضها ببعض مجاور لها، تعرفون مثلاً أننا قد نجد صعوبة في التمييز بين “السوط” و “الصوت” إلا إذا حرص المتكلم على إظهار السين في الكلمة الأولى. وهكذا كتب الآية كما يحفظها بنطق غير صحيح.

·       يستسهل بعض الكتاب اختراع كلمات يظنونها تعبر عما يريدون، أو أن يلجؤوا إلى العامية دون الإشارة إلى عاميتها. أحد الكتاب قال في عنوان مقالته “المستغطي” أي من يطلب الغطاء، وهذه ليست صحيحة ولا من العامية، فالعامة تقول “المتغطي” وليس في الجذر “غطي” واشتقاقاته ما يسمح بأن نقول “المستغطي” ونحن نقصد “المتغطي”

·       قلت كثيراً إنني أعتب على الكبار لأنهم قدوة. قال أحدهم “من عطوبة هذا العالم” حسناً، فهمنا أنه عالم أصابه العطب ولكن! هل الكلمة صحيحة؟ عندما نقول العطب فإننا نعني الخلل القابل للإصلاح، لكنه في الأصل يعني الهلاك، فإذا أصاب العطب دابة فإن هذا يعني أنها هلكت، أو أنها لم تعد قادرة على السير فتنحر. ومن الطريف أن البدو والريفيين يقولون “العُطبة” وهي القطنة فيها نار، وهذا فصيح، والعُـطـُب والعطـْب: القطن، والواحدة عُطبة.

·       نبهت كثيراً إلى الأخطاء في باب “النسبة” وهي باختصار شديد وصف الشيء عن طريق نسبته إلى شيء آخر، كأن تقول: دمشقي وقطري وعراقي وتونسي وهكذا. وتكون النسبة بإلحاق ياء مشددة بآخر الاسم. وللنسبة قواعد شتى لا يتسع المجال لها، لكننا نركز على أمر واحد هو أن النسبة تكون دائماً إلى المفرد، ولذا فإن من الخطأ ما نسمعه من بعض الناس حين يقولون “المطار الدُولي” فقد نسبوا إلى الجمع، والصحيح “الدَوْلي” نسبة إلى الدَولة. ومن الأخطاء الشائعة القول “صُحفي” وبعضهم يقول “صحافي” وكلاهما خطأ، والصحيح “صَحَفي” نسبة إلى صحيفة، كما نقول “مدَني” نسبة إلى مدينة.

·       دعوت كثيراً إلى الابتعاد عن الكلمات المغرقة في معجميتها ولا يكاد أحد يستعملها، فما بالك بقراء الصحف وهم ما يمثل العامة، حين نقول “التقعر بين العامة كاللحن بين الخاصة”. واللغة مليئة بالمترادفات، ومن السهل على الكاتب اختيار المفردة التي يفهمها سواد الناس الأعظم. قرأت في مقال لأحدهم “نجحت في دحض الاتهامات المفتئتة على حياديتها” وليس هذا خطأ ولكنه تقعر، بل إن قراءة الكلمة تبدو صعبة، فما معناها؟

افتأت فلان على فلان افتئاتاً فهم مُفتئِت، وذلك إذا قال عليه الباطل، وقيل إذا اختلق الكلام ونسبه إلى الآخر، وثمة معنى آخر بعيد عن هذا وعما أراده الكاتب، فهل كان من الصعب على الكاتب أن يقول”في دحض الاتهامات التي تتهمها زوراً بعدم الحيادية”؟ وحتى كلمة “دحض” قد تبدو غير مناسبة لمقال سياسي، وكان الأفضل للكاتب أن يكتب “في تكذيب الاتهامات”

·       إذا لم يكن الكاتب متمكناً من لغته العربية فإنه يأتي بالمضحكات. قالت إحدى الكاتبات المشهورات “ولكن الأم نظرت إلي شذراً” والحقيقة أن كلمة “شذر” ترد كثيراً في الكتابات العربية قديماً وحديثاً، فما معناها؟

الشذْر: قطع من الذهب يلقط من غير إذابة الحجارة، أي يوجد في الطبيعة صافياً، وليس تبراً جرى استخلاص الذهب منه، وقيل: الشذر صغار اللؤلؤ، أو ما يصاغ من الذهب للفصل بين اللؤلؤ والجوهر. وتشذّر القوم: تفرقوا، وذهبوا شذَر مّذَر، أي ذهبوا في كل اتجاه.

 أما ما عنته الكاتبة ولم توفق في اختيار الكلمة فهو “نظرت إلي شزْراً” ونظر شزر: نظر فيه إعراض كنظر المعادي المبغض.

·       كتبت مرة عن زميل لي في المكتب عندما كنت موظفاً قال: حتى خلت من دارنا النار (من مسرحية مجنون ليلى) والمؤسف أنه كان يدرس الأدب العربي في الجامعة العربية في بيروت، وصححت له قائلاً: لقد عكست الآية، فالتي خلت هي الدار، السنا نقول: خلت الدار من سكانها؟

تذكرت هذا قبل أيام حين قرأت عنواناً في الصحيفة “دعا لتجريد الجنسية منهم” وهذا خطأ تركيبي فظيع، لأننا نقول: جرَّده من ملابسه، ولا نقول: جرد ملابسه عنه أو منه، والأصل: جرَد الشيء أي قشره، وجرد الجلد: نزع عنه الشعر، ورجل أجرد: لا شعر عليه، ومكان أجرد: لا نبات فيه، ألسنا نقول أرض جرداء؟ وسماء جرداء: ليس فيها غيم. وجرَّد مثل جرَد، والتجريد: التعرية من الثياب. بعد هذا كله وثمة كثير غيره، هل نقول: جرده من ملابسه؟ أم نقول: جرد ملابسه؟

·       يخطئ معظم السوريين في قراءة الكلمات المنتهية بتاء مربوطة “ة” مثل: الحياة، الجُناة، العصاة، فيقرؤونها كأنها تاء مبسوطة فتصير: الحيَات، الجُنات، العُصات. وحكم هذه التاء كما يعرف تلاميذ الابتدائي أنها تصير “هاءً” عند الوقف عليها. وأخطأ كاتب نجم تلفزيوني خطأ معاكساً فقال إن إسرائيل تحاول منذ سنوات طويلة استعادة “رفاة” الجاسوس الأشهر إيلي كوهين الذي أعدمته سورية في منتصف ستينات القرن الماضي، وفات الكاتب أن الكلمة “رفات”  ورفت الشيء حطمه وكسره ودقّه فهو رفات وهو الحُطام من كل شيء تكسَّر. ورُفت الشيءُ فهو مرفوت، ونتذكر أن الإخوة المصريين يستعملون هذه الكلمة بدلاً من “مرفوض” تسمع المدير بقول للموظف: إنت مرفوت، حتى إنهم اشتقوا منها فعلاً: رفتـُّه، ورفتـَه ورفتوني، فهل هو ترقيق للضاد فصارت تاء؟ أم هم عنوا المعنى الأصلي فكأن من يطرد من عمله كُسر وتحطم حتى صار رفاتاً؟ يذكرني هذا بأن السوريين يقولون “عم يركُد ركْد” وبالطبع يقصدون “يركض”

·       عبثاً آمل أن يدرك السادة الكتاب أن الضمير المتصل “ـه، ـها، ـهم، ـهن، ـهما” يجب أن يعود على اسم سبقه، واقرؤوا القرآن الكريم نبع الفصاحة والبلاغة، ولا نستثني من هذا سوى قولنا “وقال تعالى” أو أي تعبير آخر، لأننا نعرف أنه يعود على لفظ الجلالة المحذوف، وكذلك “وقال صلى الله عليه وسلم” لأننا ندرك أن المعني هو النبي محمد، وهل تجوز الصلاة والسلام إلا عليه؟ لكننا لا نقرأ في التراث العربي كله مثل هذه العبارة “وفي قصيدته الرائعة قال الشاعر” أما في المقالات التي تنشر هذه الأيام فما أكثر ما يمر بنا هذا حتى عندما يكون الكاتب من كبار الكتاب ومخضرميهم.

 


أسباب تخلفنا وتقدمهم

نبحث بمرارة عن هذه الأسباب حين نقرأ أن عدو العرب الرئيسي إسرائيل في المرتبة السادسة بين دول العالم في تصدير السلاح، وكم قرأنا في السنوات الماضية أن إسرائيل وقعت عقداً مع تركيـا بمئات ملايين الدولارات “لتحـديث” سـلاح الجو التركي، ووقعت مثلـه مع الصين، وأن إسـرائيل صنعت أقماراً صناعية لصالح هذه الدولة أو تلك، وطبعاً تمتلك إسـرائيل بضعة أقمار صناعية تجسـسية صنعـتها بنفسها ولم تسـتوردها. ونبحث عنها حين نقـرأ أن ثمانية من علماء إسـرائيل في العلوم التطبيقية، فازوا بجوائز نوبل، وأن إسرائيل في المرتبة 4 دولياً في نشـاط البحث العلمي (عـدد البحوث العلميـة لكل مليون مواطن 6309 بحـوث، وهو عـشـرة أضعاف النسـبة العالمية) وأن إسـرائيل تنفق 2’4% من الناتـج المحلي على البحـث العلمي (وهي أعلى نسـبة في العالم) وبلغت 4’9 مليار دولار، وللمقارنة تـنفـق الدول العربيـة مجتمعة 535 مليون دولار، وهـكذا احتلت إسـرائيل المرتبة 18 بيـن 188 دولة على مؤشـر التنميـة البشـرية للأمم المتحـدة لعام 2015م، بـينما حلـت مصر التي تعتبر نـفسـها زعيمـة العالم العـربي في المركـز 108 وحيـن نقارن أنفسـنا بدول العالم، لا بالولايات المتحدة ومثـيلاتهـا، بل بـدول مثـل كوريا التي كانت في الخمسـينات دولة فـقيرة تعـيش على المسـاعـدات، وهي الآن خامس اقـتصاد في العالـم، ومثـل ماليـزيا التي ظلت دولـة فـقيرة حتى 1980، بل بفييتنام التي دمرت مراراً أثـناء حرب التحرير الفـييتنامية وهي الآن تزدهر اقـتصادياً، وادرسوا مثال سنغافورة التي تنفق 6،2 مليار دولار على البحث العلمي، وانظروا مكانتها اليوم.

ماذا ينقـص “الوطـن العربي” ليحقـق التـقدم والازدهـار؟ إن لديـه الأرض الخـصبة المتـنوعـة والمناخ المتنوع، ولديه الطاقة، ولديه العـقول البشـرية المبدعـة، تذكروا الذين يبدعـون في بيئة صحية صحيحة، ولديه القوة العاملة، ولديه جميع الخامات اللازمة للصناعـة، فلماذا لا ينهض؟

الشرط الأول أن تتكامل الدول العربية، ليس في اتحاد سـياسي، بل في تكامل عـلمي صناعي، وأن تتغير مناهج التعليم التي عفا عليها الزمن، فلا يمكن أن يبدع العـقل ونحن ما زلنا نربيه بالتلقين، وأن نضع خططاً علمية لزيادة الإنفاق على البحث العلمي وتشجيع الباحثين، وأن تجد أبحاثهم طريقها إلى التطبيق والتصنيع، وأول ما كان علينا الاهـتمام به الصناعات العسـكرية، إن إسـرائيل تخصص 30% من ميزانية البحث العلمي للصناعات العسـكرية، ولن ننتصر ما دمنا نعتمد على العالم في تسليحنا، فمن يبيعنا السلاح يتحكم به.

إن عـلينا أن نغـير اهـتماماتـنا الحاليـة التي تركز عـلى الترفـيه والتسـلية و”قشـور الحضارة والمدنية” إلى التركيز على العقل المبدع والعلم، وكل ما عدا ذلك يأتي لاحقاً.


دولة رئيس وليست دولة مؤسسات

كلما جرى الحديث عما سـيفعله هذا الرئيس الأمريكي أو ذاك، خرجوا عـلينا بالقول الذي يفحم الجميع “الولايات المتحدة دولة مؤسسات وليست دولة رئيس، وإن كان النظام رئاسياً” فهل هذا هو الواقع؟ وإلى أي مدى تتحكم المؤسسات لا الرئيس برسم السياسات؟

يحيط الرئيس نفسه بالعدد الكافي من الموظفين (يحق له تعيين 4500 موظف) ويعين السفراء وقضاة المحكمة العليا، ويكفي أن له حق نقض قرارات الكونغرس والامتناع عن تنفيذها. ومن حق الكونغرس العـودة إلى هـذه القـرارات، ولكن هذا يحتاج إلى موافـقة ثلثي أعضاء مجلسـي الشـيوخ والنواب، وعبر السـنين لم يتحقـق هذا إلا في 7 – 11 % من القـرارات التي نـقضها الرئيس. على سـبيل المثال تقوم الآن ضجة حول نقل السفارة الأمريكية إلى القدس. هذا القرار ليس جديداً، فـقد وافق عليه الكونغرس ووضعـه أمام الرئيس عام 1995، ولكن ثلاثة رؤسـاء أمريكيين (كلنتون وجورج بوش الصغير وأوباما) رفضوا توقيعه، ولم ينفذ.

في عام 1956 قامت فرنسا وبريطانيا وإسرائيل بعدوان على مصر، واتخذ الرئيس آيزنهاور موقـفاً حازماً من ذلـك العـدوان، وكان لموقـفه أثر كبير في إنهـائه، كما كان لموقـف الاتحـاد السوفييتي أثر أيضاً، ولعل الولايات المتحدة كانت تخطط لوراثة فرنسا وبريطانيا في الشرق الأوسط.

في عام 1991، وفي أعقاب تحرير الكويت من الاحتلال العراقي، دعت الإدارة الأمريكية إلى مؤتمر مدريد للسـلام في الشرق الأوسط، وكانت إسـرائـيل تأمل أن يرفـض العـرب (ولاسـيما سـورية) حضـور المؤتـمر، وفوجـئت بأنهـم جميعـاً وافـقوا، وبدأت المـراوغـة، ولكن الرئيس جورج بوش الأب هدد بوقف قروض ائتمانية لإسرائيل قيمتها 10 مليارات دولار، فاضطرت إلى الموافـقة وحضور المؤتمـر، وإن كانت مراوغاتها ثم المباحثات السـرية بين ياسـرعرفات وإسرائيل في أوسلو جعلت مؤتمر مدريد بلا معنى.

ولنلاحـظ مدى تأثير الرئـيس على السـياسـة الخارجـية: ورط الرئيـس جـورج بوش الولايـات المتحدة في حربـين في أفغانسـتان والعـراق كبدتا الخزانة أكثر من 3 تريلـيونات دولار، وجاء أوباما فانسحب من البلدين وقدمهما على طبق من ذهب إلى إيران، وقد عشنا جميعاً نتائج تردد الرئـيس أوباما وتراجـعه عن قراراته، بل بدت سـياسـته كلها تراجعاً عـما وعد به أثـناء حملته الانتخابية، وفي خطابيه في أنقرة والقاهرة.

ينص الدستور الأميركي في البند الثالث من مادته الثانية على أن الرئيس يُطلع الكونغرس “من وقت لآخر” (وليس دائماً)على ما يجري، لكن بسبب أن مضمون المادة ليس محدداً بدقة، أصبح التقليد يتجسد في إلقاء الرئيس خطابا سنوياً بمقر الكونغرس في جلسة مشـتركة بين إدارة البيت الأبيض ومجلسي النواب والشيوخ، بحضور قضاة المحكمة العليا.


لم يخرجوا من حارة نجيب

كتبت مـرة في ذكرى نجيب محفـوط “كلنا خرجـنا من حارة نجيب” إشـارة إلى روايته “أولاد حارتنا” وإشـارة أيضـاً إلى قـول دسـتوفـسـكي في رثاء جـوجـول “كلـنا خـرجـنا من معـطـف جوجول” وكان يشير إلى قصة جوجول البديعة “المعطف”. لكنني كتبت مرات أن اثنين عـلى الأقل من الروائيـين العرب لم يتخـرجا من مدرسة نجيب محفوظ، وقد كسـرا القواعد المألوفة في شـهرة الأدباء، فـقـفزا منذ العـمل الأول لكل منهـما إلى الصـف الأول: الطـيـب صـالح في روايتـه “موسـم الهجـرة إلى الشـمـال” وعـبد الرحـمن منيـف في روايتـه “الأشـجار واغـتيـال مرزوق”.

في ديسـمبر 1978 أرسـلتني إذاعة دمشـق إلى بغداد، وكان من أسـباب سـعادتي بتلك الزيارة أنني سـألقى اثنين من عـظماء الأدب العربي (وقد لقيتهما): جبرا ابراهيم جبرا، وعبد الرحمن منيـف الذي مـرت ذكرى وفاتـه الثالثة عشرة في 24 يـنايــر دون أن أقـرأ عـنه سطراً واحـداً (ولد في 29/5/1933) فكأنه لم يكن مالئ الدنيا وشاغل الناس.

كانت روايته الأولى (1973) قد فتنتـنا، أما روايته الثالثة “شـرق المتوسـط” فقد أذهلت الناس قراءاً ونقاداً، وما زالت مع جزئها الثاني ” الآن هنا (أو شرق المتوسط مرة أخرى) فريدة بين الروايات العربية. وتابعـنا بعد ذلك رواياته التي بلغـت 11 رواية، من أهـمها روايته الملحمية “مدن الملح” بأجزائها الخمسة، وملحمته الأخرى” أرض السواد” ثلاثية الأجزاء. كما تابعنا له مجموعـتين قصصيتين وعشـرة كتب أخرى. والغـريب أن الراحل كان دكتوراً في اقتصاديات النفط (1962).

كان عبد الرحمن منيف تجسيداً حياً للوحدة العربية: أبوه سعودي وأمه عراقية، ودرس وعمل في الأردن والعراق ومصر ولبنـان وسـورية، حتى اسـتقر في بغداد ثم في ســورية التي مات فيها، وقد تجسد هذا في كتبه كلها، فأنت أمام رجل “عربي” النسب والنشـأة والملامح “عربي” الإبداع والاهتمامات، مهموم بهموم أمته وقضاياها، لا بهموم هذا البلد أو ذاك.

من أجمل ما تـرك لنـا الراحلان جبرا إبراهيم جبرا وعبد الرحمن منيف عمـل روائي عجيـب “عالـم بلا خرائـط” (1982) وهـو بتوقيع الأديبين معاً، في تمازج أدبي رائع، بحيث يصعـب أن تعـرف متى كتـب هـذا ومـتى كتـب ذاك، وإن كان أحدهـم قد ادعى مـرة أنه واجـه جبـرا باكتشافه أين بصمته وأين بصمة عبد الرحمن، ولم أصدق.

لا تتسع هذه الزاوية للحديث عن أدب عبد الرحمن منيف ورواياته وإبداعه، لكنني لا أستطيع أن أمنع نفسي من أن أحزن كثيراً عندما تمر ذكرى رجل كهذا فيتجاهله الإعلام العربي كله، بيـنما ينشـغل هذا الإعلام دائماً بأخبار المتراقصـين والمتراقـصات والزاعـقين والزاعقات، وحسبك Arab Idol.


لو كان الفساد رجلاً لقتلته

كم هـو مؤلم أن نقـرأ أن 90% من الدول العـربية حقـقت أقـل من 50% عـلى مؤشر الفسـاد والشـفافية؟ وأن 6 دول من الدول العـشـر الأكثر فسـاداً في العالم عـربيـة؟ وأن معـظـم الدول العـربية تـتراجع سـنة بعـد أخرى، مع أن أغلب الحكومات العـربية تـقول إنها “تكافح الفـسـاد وتقدم مرتكبيه للمحاكمة”؟ ليسـت هـذه تـقارير صحفية مغرضة، بل خلاصـة تـقريـر منظمة الشـفافية الدولية لعام 2016. هـذه الدول هي: سوريا والعراق والصومـال والسـودان واليـمن وليبـيا. ولا يعـزينا أن أربع دول فـقط في الاتحـاد الأوروبي تحسـنت فيهـا معالجة الفساد في القطاع العام منذ العام الماضي، وأن سـت دول من الاتحـاد الأوروبي هي: إيطالـيا ورومانيـا واليونان وبلغـاريا وهـنغـاريا وكرواتـيا، نالت عـلامة أدنى من 50 نقـطة من أصـل 100 في تصـنيـف الفـسـاد. وذكر مديـر الشـفافـيـة الدوليـة في الاتحاد الأوروبي كارل دولان أن لـدى الاتحاد الأوروبي أزمة فساد تلتهمه بـبطء من الداخل ” فيما قادة الاتحاد الأوروبي مشـغولون بأزمات أخرى مثل تدفـق اللاجئـين من سـوريا والبريكسـيت والأعمال الإرهابية الوحشية”.

ما هي آليات مكافحة الفسـاد لتحقيق الشـفافية؟ تحددهـا المنظمة:”وضع حـد للفـسـاد السياسي،  إرادة سـياسـية فاعـلة في تحقـيق الالتزامات (التعاقـدية) الدولية (في مجال المكافحة)، ضمان حق حريـة الرأي والتعبـير والمسـاءلة، ووضع حد للضغوط على مؤسـسـات المجتمع المدني والنشطاء والمبلغين، استقلال القضاء من أجل محاسبة الفاسدين واسترداد الأموال المنهـوبة” وقال “خوسيه أوغاز” المدير في منظمة الشفافية الدولية:”في الكثير من الدول الناس محرومون من احتياجاتهم الأساسية الملحة، وينامون جائعين كل ليلة نتيجة الفساد، فيما أصحاب السلطة والفاسدون يتمتعون بالحياة المترفة والحصانة”.

وجاء في التقرير، أن أداء كل من الدنمارك (91) ونيوزيلاندا (90)، تليهما فنلندا (89) ثم السويد (88) “والمشترك بين هذه الدول، رغم أنه لا تخلو دولة تماماً من الفساد، هو وجود حكومات شـفافة، وحرية صحافـة، وحريات مدنية، ونظم قضائية مسـتقلة” وللمقارنة حققت الولايات المتحدة 74 نقطة، وتركيا 41 نقطة، فيما بقيت روسيا عند 29 نقطة.

دولة الإمارات الأولى عربياً و24 عالمياً، الأردن 3 عربياً، 57 عالمياً، السعودية 62 عالمياً  عُـمان 64، البحـرين 70 الكويت وتـونس 75 المغـرب 90 الجزائر ومصر 108 لبنـان 136 موريتانيـا 142 العـراق 166 اليمن وليبـيا والسـودان 170 سـوريا 173.

نهنئ قطر بأنها الثانية عربياً و31 عالمياً، ونتحفظ  على هذا، (كانت 21 العام الماضي 61 نقطة)، لأن السبب الذي قـدمته المنظمة ثبت بطلانه، وهو ما سـمي فضيحة الاتحاد الدولي لكرة القدم والتحـقيقات بشأن قرار منح الدولة حق تنظيم مونديال عام 2022.


جميع الحقوق محفوظة 2012 ©
iDream theme by Templates Next | Powered by WordPress