متى نتخلص من هذه الآفة؟

كان رسـول الـلـه صلى الـلـه عليه وسـلم أمياً، لكنه كان أحرص الناس على القضاء على الأمية. في غزوة بدر جعل فداء الأسـير الذي لا يملك المال أن يعلم عشرة من المسـلمين القراءة والكتابة (محو أميتهم) وجعل تعـليم البنت القرآن صداقـاً لها، وما زلنا بعد أربعـة عشر قرناً نشـكو من الأمية الأبجدية، فما بالك بأشكال الأمية الأخرى؟  

      مر اليـوم العربي لمحو الأمية دون كثير من الاهتمام، مع أن هذا “الوباء” أخطر بكثير من الأوبئة التي قد تصيبنا، ومع أن نسبة الأمية في الوطن العربي ضعف المتوسّـط العالمي في الأمية تقريباً، كما لا تـزال نسبة الأمية عـند الإناث ضعـفها عـند الذكور، وفق إحصائيات المنظمة العربيـة للتربية والثـقافة والعـلوم (الألكسـو). تشـهد نسـبة الأميـة في الوطن العربي تناقصاً مستمراً منذ سبعينيات القرن العشرين، لكن أعداد الأميـين نفسـها ما زالت في ارتفاع ، يقـدر أن محـو الأمية في كامل العالم العربي لن يحصل قبل عام 2050. يقدر عدد الأميين في الوطن العربي اليوم بحوالي 70 إلى 100 مليون نسمة، يُمثـلون 27% من سـكان المنطقة، وتبلـغ نسـبة الإناث من الأميـين حوالي 60 إلى 80% بالإجمال، تبلغ نسـبة الأميـة بين الذكور في الوطن العـربي 25%، وبين الإناث 46%. وقد أفاد تقرير الرصد العالمي للتعليم في سنة 2011 بأن عدد الأطفال غير الملتحقين بالتعليم في البـلاد العـربية يبلغ 6.188 مليون طفل، كما أن 7 إلى 20% من الأطفـال الملتحـقين بالفعل بالتعـليـم يهـربون منه خـلال المرحلـة الدراسـية الأولى، بل وتـبلغ النسـبة في بعـض الـدول 30%.

وفي العالم العربي، واحد من كل خمسة بالغين يعاني من الأمية 19%، ويحق لقطر أن تفخر بأن فيهـا أدنى نسـبة من الأميـين 2%، ويفخـر الفلسـطينـيـون والأردنـيون بأنهـم في المركـز الثـاني 3%، البحـريـن والكويـت 4% السـعوديـة 5% عـمـان 5% الإمارات ولبنـان 6%، وتـتصاعد النسـبة، ففي سـورية 14%  وفي العراق 20% وفي المغـرب يعاني 10 ملايـين شـخص من آفة الأمية 28%وعدد سـكان المغرب يقارب 34 مليوناً، ما يعني أن قـرابة ثلث السكان أميون، وتعاني نصف المغربيات فوق سـن 15 سـنة من الأمية. أما في مصر، فربع السكان البالغين أميون. وتقبع موريتانيا في ذيل القائمة بنسبة 48%.

مازلنا نتحدث عن أمية القراءة والكتابة، فإذا انتـقلنا إلى أشـكال الأمية الأخرى فإننا سـنفاجأ بنسـب عالية جداً في التعـامل مع التـكنولوحيا وفي الثقـافة وحتى في معـرفة لغة قرآننا. ألا تستفزنا هذه النسب للسعي إلى محو جميع أشكال الأمية بدلاً من الالتهاء بما لا يفيد؟


المعجم الذي نحتاجه

·       من الكلمات “الدارجة” في أحاديث المتعلمين كلمة “الدراجة الهوائية” وهي ترجمة موفقة جداً لكلمة  bicycle الإنجليزية وكلمة  Bicyclette الفرنسية، وما زال الناس في سورية يسمونها “بِسكليت” ويسميها الخليجيون “سيكل” وواضح أنها تحريف لكلمة bicycle أو لكلمة  cycle لكن كلمة “الدراجة” ليست سائدة على ألسنة العامة. والدراجة : العَجَلَةُ التي يَدِبُّ الشيخ والصبي عليها، وتسمى أيضاً “الدبابة”  التي تُسَوَّى لحرب الحِصارِ يدخل تحتها الرجال، وبالمناسبة يختلف العامة العرب في تسمية السلم الحجري الذي نستعمله في بيوتنا، ولكنه في العربية “درج” ودَرَجُ البناء مَراتبُ بعضها فوق بعض. نستنتج أن تسمية المصريين للدراجة “عجلة” ليست خطأ، بل هي من العربية الفصحى، لكن الخلاف يقع في ترجمة كلمة Wheel الإنجليزية وتختلف عن كلمة Tire فهذه تعني الإطار، ولذلك حافظ الخليجيون على الكلمة الإنجليزية وحرفوها. تترجم Wheel (وتقابلها الفرنسية Roue ) في مصر بكلمة عجلة” بينما يترجمها السوريون إلى “دولاب” والحقيقة أن كليهما على صواب، إذ نجد في المعجم:  العَجَلة: الدّولاب، وقيل المَحَالة، وهذه هي القطعة الدائرية المجوفة الإطار التي يسير الحبل فيها، ويستعمل العامة في سورية الكلمة نفسها مع تشديد الحاء، بينما يستعمل المصريون هذه الكلمة للدلالة على ما يسميه العرب الآخرون “الخزانة” (وتلفظ لِخْزانة)، وواضح أن الكلمة أفضل لترجمة Closet أو Cupboard، وعلى ذكر العجلة نذكر مصطلحاً شائعاً جداً هو “العُجالة” : ولا نستطيع إيفاء الموضوع حقه من الدراسة والشرح في هذه العجالة، والطريف أن العجالة: أن يعجل الراعي بلبن إبله إذا صدرت عن الماء، أو هي لبن يحمله الراعي من المرعى إلى أَصحاب الغنم قبل أَن تروح عليهم.

·          نقرأ في التحقيقات الجنائية “وقامت الشرطة برفع البصمات من مكان الحادث” ونعرف أن لكل شخص في الدولة “بصماته” المحفوظة، وعندما تحتاج إلى ورقة رسمية من بعض الجهات يجب أن يعرفوا البصمة، بل استعاروها لأمور أخرى فقالوا: “وترك بصمته (أو بصماته) على المسرح أو الشعر أو القصة أو الرواية. والبصمة بالمناسبة دليل قاطع في التحقيقات، إذ لكل إنسان بصمته التي لا تشبهها أي بصمة أخرى، ثم قالوا “بصمة العين والصوت” .

“البصمة” ترجمة للكلمة الإنجليزية Fingerprint أو الفرنسية Empreinte  وهي ترجمة موفقة، أفضل من الترجمة الحرفية “أثر الإصبع” ولكن ما أصل البصمة؟

البُصم هو المسافة من طرف الخِنصر إلى طرف البنصر، وبالمناسبة قال العرب: ما فارقتك شِبراً ولا فِتراً ولا عَتـَباً ولا رَتـَباً ولا بُصماً، فالشبر ما بين الإبهام والخِنصِر، والفتر ما بين السَّبابة والإبْهام، والرتب ما بين الخنصر والبنصر، وكذلك بين البنصر والوسطى، والعتب ما بين السبابة والوسطى، وفي المعجم الجديد الذي ندعو إليه لا حاجة إلى هذه الشروح كلها.

·       تصدر مؤسسات الأرصاد الجوية أحياناً تحذيرات من عواصف رعدية، ولا أدري لماذا لا يقولون عواصف برقية، فلا رعد دون برق، والبرق سابق، واستعمال هذه الكلمة “العواصف” صحيح وغير صحيح، كيف؟ العواصف جمع عاصفة، وهي صفة للريح، فنقول: ريح عاصِف وعاصِفةٌ،  وعَصفت الريحُ تعصِف عَصْفاً، وريح عاصف: شديدة الهُبوب، هي إذن صفة للريح، وقد يقول قائل: ولكننا نقول يوم عاصف كما نقول يوم ماطر، قال تعالى في سورة إبراهيم “أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف” فجعل العُصوف تابعاً لليوم في إعرابه، وإنما العُصوف للرياح، فأراد في يوم عاصِف الريحِ فتحذف الريح لأَنها قد ذكرت من قبل.

بقي أن لكلمات “العصْف والعصيفة وعصف واعتصف” معان أخرى لا أحد يذكرها إلا عند قراءة القرآن كقوله تعالى في سورة الرحمن “والحَبُّ ذو العصف والريحان” وفي المعجم الذي نحتاجه نقتصر على ذكر الريح، أما من شاء التوسع فلديه المعاجم القديمة وكتب التفسير.

·       وبمناسبة ذكر “الأرصاد الجوية” نتساءل: هل الكلمة صحيحة في موقعها؟ رصده يرصده: يرقبه، والرصَد: القوم يرصدون كالحرس، وربما قالوا “أرصاد” فالكلمة في الأصل تعني المراقبين ولا تعني الفعل، والمرصَد والمِرصاد الطريق، قال الله عز وجل: واقعدوا لهم كلَّ مَرصد، وقال تعالى “إِنَّ ربك لبالمرصاد” والمَرصَد: مثل المِرصاد، وجمعه المراصد، وقيل: المرصاد المكان الذي يُرْصَدُ فيه العدوّ.

·       لكلمة “الفرْض” معان عدة في المعجم العربي، فهو التوقيت كما في شرح القرآن الكريم، وهو الواجب الذي يجب الالتزام به، والصلوات مفروضة ونافلة، فالمفروضة خمس صلوات فيهن سبع عشرة ركعة، ولا يعني هذا التقليل من السنة، ولكن من ترك السنة لا يأثم، والفرض هو الحز في العود أو السهم أو المسواك، وهو القراءة فيقال: فرضت جزئي أي قرأته، والفرْض هو الجنود يفترضون أي يأخذون عطاياهم، وهنا نصل إلى الكلمة المشتقة من هذا الجذر “افترض” ورأينا قبل قليل أن الفعل يعني أخذ عطيته.

كثيراً ما يقول أحدهم: افترض أني فعلت كذا، ويقول العامة: إفرض مثلاً (أظن أنه عنوان أغنية) والأكثر أن نقرأ في مجال العلوم الإنسانية والتطبيقية فعل “افترض” أي وضع فرضية، وفي العلوم ثلاث مراحل: الفرضية، ثم التجربة للتحقق من الفرضية، ثم استخلاص النتيجة كقانون. في المعجم الذي ندعو إليه لا حاجة إلى جميع الشروح المتعلقة السابقة ما عدا الفرائض والفروض لأنها من صميم الدين، ولسنا بحاجة إلى أن الفعل يعني أخذ عطيته، بل نحن بحاجة إلى :افترض بمعنى وضع فرضية (وهذه ليست موجودة قديماً) قابلة للنقاش والتجريب.

·       لا يحوي المعجم الذي نحتاجه من معاني الكلمات إلا ما يرد كثيراً في كتاباتنـا وأحاديثنا اليومية، أما المعاني الأخرى فنتركها في المعاجم القديمة لدارسي الأدب وقراء الكتب القديمة. لدينا مثلاً فعل “خرَق” ومصدره “خرْق” ماذا نشتق من هذا الفعل في الحياة اليومية واللغة السائدة، ويجب أن تكون فصيحة طبعاً. لدينا فعل “اخترق اختراقاً” كما عندما نسمع أو نقرأ “اختراق أمني” وعلى المجاز نقرأ “لم يحقق أي اختراق في المباحثات” أي لم يستطع النفاذ من السدود التي تقف في وجه الحل. ولدينا “الخِرقة” وهي القطعة من القماش أو “المِزقة” ولدينا “أخرق وخرقاء” والأخرق لا تعني الأحمق بل الجاهل بما يجب أن يعمله، وكذلك الخرقاء.

بعد هذا، قلنا إن الخرْق مثل الثقب أو الشق، فماذا يهمنا من أن الخرق الأرض البعيدة؟ وأن الخرِق والمِخراق هو الفتى الظريف في سماحة ونجدة أو أن الخرِق هو الكريم؟ ومعنى آخر للمِخراق أنه المنديل، وهو أيضاً الرجل الطويل الجسم، وقلنا إننا نورد فعل اخترق ومصدره اختراق، فهل يهمنا أن اختراق الريح مرورها، والخرقاء امرأة غير صَناع أو هي الجاهلة، فهل يهمنا أن الخرقاء هي الريح الشديدة؟ وأن الخرَق  هو الدهَش؟ ونقول: خرقه فانخرق، وهو مطاوع خرق، فهل يهمنا أن نقول: انخرقت الريح إذا هبت بغير استقامة؟ وقلنا الخرقة وهي المزقة من الثياب (يستعملها العامة بالمعنى نفسه) فهل يهمنا أن نعلم أن الخرقة هي القطعة من الجراد؟ بالإضافة إلى اشتقاقات أخرى كثيرة لا يتسع المجال لها.


أختار الإمام العادل الكافر

قالت العـرب «نصف الناس ضد الحاكم، هذا إن عدل» يجب ان نسـأل ونحن نسـتذكر هذه الحكمة الخالدة: أين هذا الحاكم العادل بين الحكام العرب؟ اذا استعرضنا تاريخ الحكام في الأرض العربية، هل نجد حكاماً يمكن وصفهـم بصدق بأنهم «عادلون»؟ ومنذ اغـتيال الامام علي بن أبي طالب كرم الـلـه وجهه، لا نجد عدلاً. ولن نجد من يصلون إلى عـشـر العـشر مما كان عـليه أبوبكر وعـمر وعلي رضي الـلـه عنهم. حتى خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبدالعزيز بن مروان وهو أشبه الناس سيرة بابن الخطاب، وقد تخـلص منه بنو أميـة لأنـه كان عـادلاً، لم يتـولّ السـلطة (الخلافة) حسـب «الشـورى» الإسلامية، بل أتته الخلافة حسب «الكسروية القيصرية» التي اسـتنها معاوية بن أبي سـفيان وتبعه فيها بنو امية وبنو العباس والفاطميون وكل من جاء بعدهم الى يومنا هذا.

نعود الى الحكمة التي بدأنا بها، ويمكننا ان نشـتق منهـا «ونصف الناس مع الحاكم، هذا إن عـدل»، ولكن هـؤلاء الذيـن مع الحاكم لن يكونوا «نصـف الناس» لانتفاء شـرط ان يكون عادلاً، ومع ذلـك نجدهـم كـثرة، ويتسـاءل المرء: كيف لهـؤلاء أن يؤيـدوا الطاغـية ويريدوا استمرار حكمه وربما قاتلوا من أجل هذا؟

إن لدى الطاغية «غير العادل» المال، وهو يعطي من يشاء بغير حساب، ولذا يكثر حوله المنافـقون المتزلفون الخانعـون، يزينـون له ما يفعل، ويظهـرون له أن الجماهيـر تدعو له وباسمه ليل نهار. والطاغية غير العادل يملك السلطة المطلقة، يعزل من يشاء، ويرفع من يشاء، وهو يملك الأرض وما عليها، فكأننا في عصور ملوك بني أمية والعباس «يا غلام.. أعطه عشرة آلاف» أو «لقد أقطعناك ضيعة كذا». وما من حاكم مستبد طاغية حتى يومنا هذا لم تكن له بطانة سوء من المنتفعين، ومن الذين بنوا أمجادهم على رضى الطاغية عنهم، ولهؤلاء أتباع، والفاسـد مفسـد بالضرورة، فلكي تسـتمر سـطوة هـذا الفاسـد، لا بد أن ينشـر الفسـاد، ليحقق مآربه، ولدينـا في الريف السـوري مثـل شـعـبي «الخط الأعـوج من الثـور الكبير» ويقابله في الشعر العربي بيت الشاعر سِبط بن التعاويذي قبل نحو تسعة قرون:

اذا كان رب البيت بالدفّ  مولعــاً

فشـيمةُ أهـل البيـت كلـِّهمُ الرقـصُ

حرم الـلـه الظلم “يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي فلا تظالموا” و«العدل» من صفاته ومن أسـمائه الحسـنى. قال الإمام ابن القيم تلميذ الامام ابن تيميـة «لو خيرت بين إمام عادل كافر وإمام ظالم مسلم، لاخترت الأول، لأن لي عدله وعليه كفره، أما الثاني فعليَّ ظلمه وله إسلامه» وهذا حكم منطقي شرعي «عادل».  


مقتطفات صحفية

 

 

·       أعود مراراً إلى خطأ شائع بين بعض الكتاب الذين يستسهلون الاستمرار في أخطائهم دون أن يراجعوا معرفتهم اللغوية لتطويرها، ودون أن يتساءلوا، ودون أن يسألوا أحد العارفين. قال سبحانه وتعالى في سورة آل عمران متحدثاً عن مريم العذراء عليها السلام “كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً”. نلاحظ في الآية الكريمة فعلين ماضيين: “دخل” و “وجد” ولكننا ننبه إلى “كلما” وهي ظرف يتضمن معنى الشرط ولكنه غير جازم يستلزم فعلين ماضيين: فعل الشرط وجواب الشرط. قال المتنبي:

كلما أنبت الزمان قناة     ركـَّـب المرء في القناة سِنانا

وقال أبو العتاهية:

كلما قامت لقوم دولة      عجَّل الحَين عليهم نُكسها

وقال الأفوه الأودي المتوفى قبل الهجرة بنصف قرن:

كلـمـا ســرنا تـركنـا منـزلاً      فيه شتى من سباع الأرض غاروا

والخطأ الذي يرتكبه كتاب كثيرون أنهم يكررون “كلما” مع فعل الشرط دون أن يأتوا بجوابه، وبهذا يظل الكلام ناقصاً ولا يكتمل المعنى. قرأت لإحدى الكاتبات “كلما كان الصراع أعنف، كلما جاء النصر أروع” وقد أخطأت الكاتبة مثلها مثل كثيرين غيرها بتكرار أداة الشرط، وليستقيم كلامها كان عليها أن تحذف “كلما” الثانية.

·       في عام 1993 سـقطت طائرة الراحـل ياسـر عـرفات في الصحراء الليبية، ونجا يومها، وعلقـت زوجته سهى الطويل على ذلك في مقابلة تلفزيونية بالقول: كانت هذه ماسيج Message من ربنا لأبـو عـمار إنو لسـّـه عـندك قضية لازم تخدمها. نكرر القـول إننا ضد من يلجـؤون إلى الكلـمات الأجنبية بمناسـبة ودون مناسـبة، وهي ليسـت اصطلاحات لا ترجمة لها كالديموقراطية مثلاً، إنها طريـقة سـخيفة للتظاهـر بأن المتحدث مثـقـف. إحداهـن أصرت في تلفـزيون بلد شـبه بدوي على الـقـول: الميدل إيسـت، ولم تسـمع بالشـرق الأوسط، وقالت: إذا عملنا منجمنت Management للغذاء، وقالت: يجب أن يكون هـناك أويرنِسّAwareness ولم تسـمع بأنها التوعية. هلّا قام أحد بعمل أويرنس لأمثال هذه الحمقاء؟

·       سألتني ابنتي عندما كانت في الجامعة عن بيت مالك بن الريب:

تذكرت من يبكي علي فلم أجد  

سوي السيف والرمح الرديني باكيا

وكان سؤالها عن حركة “السيف”، فقلت إنها الكسر، لأن الاسم بعد “سوى” مجرور دائماً بالإضافة، فأخبرتني أن المدرّسة قرأتها “السيفَ” بفتحة، وبررت ذلك بأن الاستثناء سبقه نفي “لم أجد” فيلغى الاستثناء وتعرب الكلمة حسب موقعها من الجملة.

تذكرت هذا عندما قرأت لأحدهم “لم يزده سوى إصراراً على الأمر” وقد اختلط عليهما الأمر، فأداة الاستثناء “إلا” يبطل عملها إذا سبقت بنفي، وتصير أداة حصر، ويعرب ما بعدها كأنها غير موجودة، قال تعالى في سورة الأعراف “فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين” فإذا سبقها نفي أو شبه نفي صارت “أداة حصر” كما ذكرنا، وقد قرئ قوله تعالى في سورة هود “ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتَك” وقرئ أيضاً “إلا امرأتُك” أما أداة الاستثناء سوى فما يأتي بعدها مجرور دائماً، سواء سبقها نفي أم لم يسبقها.

·       قرأت لكاتب “تدكتر” مؤخراً مقالة عنوانها “يرون القذى ويغمضون عن الجذع” ويذكرنا هذا العنوان بالحديث الشريف “يبصر أحدكم القذى في عين أخيه، ويدع الجذع في عينيه” ويذكرنا هذا الحديث بقول ينسب إلى المسيح عليه السلام “كيف ترى القشة في عين أخيك ولا ترى الخشبة في عينك؟ وترجمة قول المسيح عليه السلام أبسط، إذ تحوي مفردتين مألوفتين “القشة والخشبة”، أما عنوان المقالة المستند إلى الحديث الشريف فيحتاج إلى شرح.

تذكرنا كلمة القذى بأشهر قصائد الخنساء في رثاء أخيها صخر:

قذى بعينِك أم بالعين عُوّارُ    أم ذرّفت إذ خلت من أهلها الدارُ

ومنها البيت الشهير الذي صار شطره الثاني مثلاً:

وإن صخراً لتأتمُّ الهداة به    كأنه علم في رأسه نار

القذى: ما يقع في العين فيؤلمها أو يجعلها تدمع، ونلاحظ الشبه بين الكلمتين “قذى وأذى”، ويمكن أن يكون القذى حبة من تراب أو قشة صغيرة وما إلى ذلك، أما العوار فغمصة تمض العين، وقيل هو الرمد، وتبقى كلمة “الجذع” فإذا قرأناها بفتحتين “الجَـذَع” فإنها تعني الشاب صغير السن، ألا تذكرون قول ورقة بن نوفل لنبي الله صلى الله عليه وسلم حين بشره بأن ما نزل عليه هو الناموس الذي أنزل على موسى وعيسى عليهما السلام “ياليتني فيها جذع” وإذا قرأناها بكسر فسكون “الجـِذْع” فإنها جذع الشجرة المعروف، قال تعالى “وهزي إليك بجـِذع النخلة”. ونقول بعد هذا: كم من القراء سيعرف معنى العنوان؟ وكم منهم سيعرف كيف يقرأ هذا العنوان؟ هنا كان على الكاتب أن يضبط الكلمات بالحركات، وربما كان عليه أن يذّكر في الهامش بالحديث الشريف وشرح الكلمات، والأبسط أن يأخذ قول المسيح عليه السلام.

·       كررت كثيراً أننا نعتب على كبار الكتاب قبل صغارهم، ونعتب على الصحف الكبرى أنها لا تولي اللغة الاهتمام الذي تستحق، ونعني باللغة هنا اللغة العالية كما سماها أخونا عارف حجاوي. قرأت لكاتب مشهور جداً في صحيفة مشهورة جداً قوله وهو يتحدث عن محمد القبنجي أشهر قراء المقام العراقي “وكان ينصح أهل الفن: لا تعتمدوا على الفن فقط، فتهلكون جوعاً” والخطأ في قوله “فتهلكون” لأن الفعل واقع في جواب الأمر، وسبقته “فاء” السببية، فيكون منصوباً “فتهلكوا”  قال ناصح الدين الأرجاني:

     دَعُوا الوزارةَ عنكمْ تربَحوا نصَباً       فالحبلُ في الدُّرّ ممّا ليس يَنسَلِك

     وقبل هذا نقرأ قول الله تعالى في سورة الإسراء “ولا تجعلْ يدك مغلولة إلى           عنقك ولا تبسطـْها كل البسط فتقعدَ مَلوماً محسورا”.

ليس من حق كل من أراد أن يخترع كلمات جديدة ويضيفها إلى المعجم، فهذا من مهام محامع اللغة العربية، أو من كان “علّامة” في اللغة العربية، أي تجاوز مرحلة العالم، لذا استغربت من أحد الكتاب المحررين أن يكتب “وكان الرجل لين العريكة مذعانا” ولم يضف شيئاً بعدها، وكان عليه أن يضيف حرف الجر اللام ثم اسم من أو ما يذعن له، إذ نقول “أذعن له” أو “أذعن للأمر” لكن المشكلة في اختراع كلمة “مذعان” ونعرف أن وزن “مفعال” يأتي للدلالة على الكثرة، كأن تقول “كان مزواجاً مطلاقاً” أي كان يتزوج ويطلق كثيراً، ولكن اسم الفاعل من “أذعن” لم يأت على هذا الوزن، وليس في سياق ما كتب الكاتب ما يوحي بذلك، واستغربت ممن يخطئ في النحو أن يتصدى لهذه المهمة، فقد كتب “وكثيراً ما شاهده أصدقائه” ولا يمكن أن يكون الفاعل مجروراً، ولذا كان عليه القول “أصدقاؤه” وقال أيضاً “واعتادت على إهانة زوجها” وهذا من الأخطاء الشائعة البشعة، لأن فعل “اعتاد” يتعدى بنفسه وليس بحرف الجر، أما قوله فمن العامية، وكتب أيضاً جملة طويلة “وطالما نصح أصدقاء الرجل …. على هجر زوجته” وهنا خطآن: طالما يمكن أن تفيد معنى الشرط، وهو يقصد “لطالما” والثاني أنه نسي الفعل الذي بدأ به وهو “نصح” الذي لا يتعدى بحرف الجر “على” بل بحرف الجر “الباء


كثيراً ما نقرأ

·       “إن المفاوضات تراوح في مكانها” كثيراً ما نقرأ هذه العبارة عندما لا يتحقق أي تقدم في المباحثات بين طرفين أو أكثر. ويتذكر الذين خاضوا التجربة العسكرية وتلقوا تدريباً فيها صوت المدرب وهو يصرخ “مكانك راوح” ويمد عادة “النون والكاف” بمقدار أربعة حروف أو أكثر. ما الخطأ في هذا؟

أحد أشكال عدْو الحصان “الخبَب” ونقول: خبَّ الحصان خبّاً وخبباً: إذا راوح  بين يديه ورجليه. لكننا لا نتحدث عن الجري بل عن الحركة في المكان دون تقدم أو تأخر. وراوَح الرجل بين جنبيه إذا تقلب من جَنْب إلى جنب، وراوَحَ بين رجليه إذا قام على إحداهما مرَّة وعلى الأَخرى مرة. وفي الحديث أَنه صلى الـلـه عليه وسلم كان يُراوح بين قدميه من طول القيام، أَي يعتمد على إِحداهما مرة وعلى الأُخرى مرة ليُوصِل الراحة إلى كلٍّ منهما، ومنه حديث ابن مسعود: أنه أبصَر رجلاً صافّاً قدميه فقال: لو راوَحَ كان أفضل. نستنتج أن الخطأ في قولنا “في مكانه أو مكانها” لأن المراوحة لا تكون إلا في المكان، فلو أننا قلنا “إن المفاوضات تراوح” لكفانا وكان قولنا مكتملاً.

·                من الكلمات التي دخلت لغتنا الحديثة كلمتا “فوقية ودونية” ونستعملهما غالباً كصفة لكلمة “نظرة” فنقول: نظرة فوقية ونظرة دونية، وقد تأتيان مع فعل “تعامل أو عامل” فنقرأ: تعامل معه بفوقية، أوعامله بفوقية. ويخطئ كثيرون في استخدام الكلمتين بحيث يقصدون شيئاً ولكن ما يقولونه يعني عكسه، فمثلاً كثيراً ما نقرأ: إلى متى ننظر إلى الغرب بفوقية أو نظرة فوقية؟ أو: إن الغرب يعاملنا بدونية، وقد قرأت قريباً (وأقرأ دائماً): نظر إليه بدونية، لكن سياق الكلام يدل على أن من نظر كان ينظر إلى الآخر بكثير من التعالي، وهكذا عكس قول الكاتب المعنى. والأساس في هذا الفاعل، أي من نظر أو عامل أو تعامل، فإن كان ينظر من فوق، أي بتكبر واحتقار للآخر، فهي نظرة فوقية، وإن كان ينظر من تحت، أي ينظر أو يتعامل بصغار وانحطاط كانت نظرة أو معاملة دونية، وهكذا نقول: إن الغرب ما زال ينظر إلينا نظرة فوقية، وما زلنا حتى الآن نحس بالنقص تجاه الغرب وننظر إليه نظرة دونية ونتعامل معه بدونية.

·       كثيراً ما نقرأ “ووصل إلى سدة الحكم” ونفهم أنه تولى السلطة، فما هي السُدّة؟ وما علاقتها بالحكم؟ الحقيقة أنها لا علاقة لها بالحكم أو العرش أو السلطة، إنها كقولنا: جلس على سرير الخلافة، قال شوقي عن الأمويين:

كانوا ملوكاً سريرُ الشرق تحتهمُ

هلّا سألت سرير الغرب ما كانوا

والسرير هنا ليس الذي نعرفه الآن. والسدة أيضاً لا تعني العرش أو الإيوان (كما في إيوان كسرى)، بل تعني شيئاً مختلفاً جداً، واستعاروها للتعبير عن الحكم.

السُّدَّة في كلام العرب الفِناء، وقالوا: أَمام باب الدار، وقيل: السقيفة. وسُدَّة المسجد الأَعظم: ما حوله من الرُّواق، وبعضهم يجعل السُّدَّة الباب نفسه.

·       يرتبك كثير من الكتاب في مضارع فعل “نعى” ومصدره، وكثيراً ما قرأنا أو سمعنا “نعوة” وكثيراً ما قرأنا “فلان ينعي فلاناً” ونقرأ في الصحف “تنعي أسرة كذا فقيدها الغالي” والخطأ في المضارع والمصدر، فهم يعاملون الفعل مثلما يعاملون مشى يمشي، وهمى يهمي، وسرى يسري، وطوى يطوي، وعوى يعوي، وعنى يعني، وقضى يقضي، وبغى يبغي وهكذا. أما في المصدر فيعيدون الألف إلى واو على وزن عفا يعفو عفواً، وسها يسهو سهواً، وخلا يخلو خلوّاً أو خلاءً، وحشا يحشو حشواً، وزها يزهو زهواً، وهكذا. وهم في الواقع يخطئون في المضارع والمصدر، ففي المصدر نعيد الألف إلى أصلها وهو الياء، فيكون “نعياً”  والنَّعْي: خَبَر الموت، وكذلك النَّعِيُّ. والنَّعْيُ والنَّعِيُّ، نَعاه يَنْعاه نعْياً ونُعْياناً، وجاء نعِيُّ فلانٍ: وهو خبر موته.قال جميل بثينة المتوفى سنة 82 للهجرة:

     صدع النعِيُّ وَما كنى بجميلِ         وثوى بمصرَ ثـَواءَ غيرِ قَـفُولِ

 وقالوا: النَّعِيُّ الرَّجل الميِّت، أي المنعيّ والنَّعْيُ الفِعْل، والناعي : الذي يأْتي بخبر    الموت، لذا يجب أن يكون: نعى ينعى، قال أبو العتاهية في القرن الثاني الهجري:

    وربَّ ناعٍ نعى حيناً أَحِبّـتهُ       ما زال ينعى إلى أَن قيل قد نُعِيا

    وقال حافظ إبراهيم:

    حتى نَعى الناعي أَبا حسنٍ       فوددتُ لو كنتُ الذي يُنعى

   على وزن: نأى ينأى بمعنى ابتعد، فلا وجود لينعي ولا لنعوة.

·       كثيراً ما نقرأ عما يسـمى “التنزيلات” حيث يقـل ثمـن أي بضاعـة بنسـب متفاوتة، لكنها لا تزيد على 50%. والـتـنـزيلات هي الكلـمة العربـية المقـترحة لـتـرجمة Discount أو Sale وكلـمـة أوكازيـون الـفـرنســية  Occasion. ويـضعـون كلـمـات أخـرى “خـصـومـات” أو “حسـومات” أو “تخـفيضات” على جميع الأسعار، فما الصحيح وما الخطأ في هذه الكلمات كلها؟

الخصـومات جمع خصومة، وهي الجدل. ونقـول: خاصمه يُخاصِـمه خِصـاماً ومُخاصـمة. والخصـومة الاسـم من التخاصـم والاخـتـصام. وخصـمه يخصِمـه خصْـماً: غـلبه بالحجـة. وخصْـمـك الذي يخاصمـك، وجمعـه خصوم. الخصْـم لـلمفـرد المذكـر والمؤنث والاثـنـين والجمع. و”الخصـومات” خطأ كامل، فليس في اللغة فعل “خصَم” إلا بمعنى غلب.

ويقولـون “حسـومات” هـائلة، ويجب أن تكون جمع “حـسـومـة” ولكن كلـمة حسـومة غـير موجودة ، وما نجده: حسمه يحسمه حسماً: قطعه. وحسـم العِرق: قـطعـه ثم كواه كي لا يسـيل دمه. فالـفعل حسم يعـني قطع، ومـنه الحسام: السيف القاطع، سُمِّي بذلك لأنه يحسم.

الحسـومة غـير موجودة في الـلغـة، والمصـدر “الحسـم” لا يجـمع، فلا يـبـقى إلا أن تكـون حســومـات جمـع حسـوم. وهي الكلـمة الوحيـدة المشـتـقـة من الجذر “حـسـم” أو “الحـسْـم” الـمذكورة في القـرآن الكريم “سخرها عليهم سبعَ ليالٍ وثمانية أيام حُسـوماً فـترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجـاز نخل خاوية” فالـليالي الحسـوم ليالي الشـؤم.

فماذا عن “التنزيلات”؟ هـل هي جمع “تنزيلة”؟ الكلمة غـير مـوجودة، فهل هي جـمع “تنزيل”؟.  النزول: الحلول. وقـد نزَّلهـم، ونزل عليهم، ونـزل بهـم نزولا ومنزلاً. و”الـنُّـزُل” المنزل. وإخوتـنا المغاربة يسمون الفندق “نُزُلاً”. والمنـزل والمـنـزلة: موضع النزول، والمنزلة: الرتبة، والمنزل: الدرجة. ونسـتـنتج أن اسـتعـمال كلمة “تنزيلات” خطأ ولا يبقى لدينا إلا “تخفيضات”.

الخفـض ضد الرفع، نقول: خفـضه يخـفضه خـفضاً. والطـريـف أن الخفض يعني الـدَعَـة، فنقول: عـيش خافض: أي عيش طيب. وخفِّض عليك أي سهِّل. وخـفض الطائـر جـناحه: ألانـه وضـمـه إلى جنبه لـيسـكن من طـيـرانه. ونردد دائماً قول الحق عز وجل “واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل ربّ ارحمهما كما ربياني صغيراً”. والانخـفاض: الانحطاط بعد العلـوّ.

بعد هذا كله نرى أن أقرب الكلمات إلى ما يقصدون كلمة “تخفيضات” بمعنى أنهم يُنزلون الأسـعار (إن كانوا يفعلون) من عـليائها، أما ما عداها فخطـأ كله: التـنزيلات والحسـومات والخصومات.

 


نكتة لا تشيخ

بلغ عـمر هذه النكتـة حتى الآن 68 عاماً، أكملته قبل يوميـن، وما زالـت تضحكنا، تلك هي حقـوق الإنسـان، أو مـا يعـرف عالمياً بالاسـم الرسـمي لها وهـو “الإعلان العالمي لحقـوق الإنسان”. كان العالم قد خرج من حرب عالمية حصدت الأرواح بالملايين، وأكلت الأخضر واليابس، وسببت دماراً يصعب على العقل أن يتصوره.

يكفي أن نقرأ الإعلان بديباجته الفخمة ومواده المثالية ونقارنها بما يجري على أرض الواقع لنكتشف مدى هزال هذا الإعلان العالمي. لقد أطلقها عمر بن الخطاب قبل 1400 سنة “متى اسـتعبدتم الناس وقـد ولدتهم أمهاتهـم أحراراً” لكن عمرطبقها عملياً على الحكام والمحكومين فـماذا طبقـت الدول من قولها “يولد جميع الناس أحراراً متسـاوين في الكرامة والحقوق، وقد وهـبوا عـقلاً وضميـراً وعليهم أن يعامل بعـضهـم بعضاً بروح الإخاء”؟ حتى في المجـتـمع الواحد، هل تطبق الحكومات هذا القول؟ وقد تطبقها الدول الغربية على مواطنيها، ولكنها لا يهمها غيرهم. يقتل مواطن أمريكي، فتـقوم الدنيا ولا تـقعد، ولكن بوش وبليـر نـفذا لأسـباب ثبت تلفيقها حرباً على العراق، قتل فيها أكثر من مليون عراقي، وتقودهما إلى محكمة جرائم الحرب، وما رفّ جفن لهما.

ينص الإعلان على تحريم الاسـتعـباد، ولكن! أليس الإنسـان مسـتعبداً بشـكل أو بآخر لأمور وهيئات وشركات عابرة للقارات؟ وعلى أنه “لايعرض أي إنسـان للتعذيـب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسـية أو الوحشـية أو الحاطة بالكرامـة” وماذا عن مئات المعتـقلات والسـجناء في العالم؟ والولايات المتحدة أكثر دول العالم تشدقاً بحقوق الإنسان، فهل يتساوى مواطنوها السود والبيض؟ الأغنياء والفقراء؟ الرجال والنساء؟ وماذا عن “أبو غريب” و”غوانتانامو”؟ ولماذا كانت ترسل المعتقلين إلى دول قمعية لاستجوابهم في الأقبية؟

تحرص الدول الغربية على الديموقراطية في بلادها، ولا يمكن أن تطبق حقوق الإنسان في غياب الديموقراطية، لكنها تحقيقاً لمصالحها، تقيم أوثق العلاقات مع أنظمة حكم شمولية لم تسمع بحقوق الإنسان، وتغض النظر عن ممارساتها.

أما في معظم بلداننا العربية والدول الشبيهة بها، فإن قراءة مواد حقوق الإنسان، ومحاولة تطبيقها على الواقع، أوتطبيقه عليها، مما يضحك حتى البكاء:

 لا يجوز القبض على أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفاً

كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئاً إلى أن تثبت إدانته قانوناً بمحاكمة علنية تؤمن له فيها الضمانات الضرورية للدفاع عنه.

لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.

لكل فرد الحق في التمتع بنظام اجتماعي يحقق الحقوق والحريات المنصوص عليها في هذا الإعلان .


مانديلا والإسلام

عظماء التاريخ لا يتناسـخون، قد يشـبه أحدهم الآخر، وقد يتأثر بعضهم ببعض، ولكنهم ليسوا نسـخاً متطابقة. مانديلا ليس غاندي، وجون كينيدي ليس إبراهام لينكولن، وياسـرعرفات ليس كاسـترو، وجـمال عـبد الناصر ليس سـعد زغلول ولا ماوتسـي تونـغ. حتى في الفـن والأدب والشـعر والثـقافة تبـقى القـاعدة صحيحة، نزار قباني والرحابنة والسـياب وأحمد شـوقي وأم كلثوم وعبد الوهاب والسنباطي والجواهري ونجيب محفوظ وغيرهم أمثلة واضحة.  

قيل الكثـير عن كاسـترو الذي رحل قـبل أيام، مدحه كثيرون، وهاجمـه كثيرون، ومن يتـتبع الحركات الثورية في العالم، يجد أن كثيرين حاولوا اسـتنساخ كاسـترو ورفيق دربه غيفارا، واستنساخ التجربة الكوبية، وفشلوا جميعاً، لأن لكل تجربة فرادتها، وسر نجاحها أنها جاءت في الزمن المناسب وفي المكان المناسب، فقدمت الحلول المناسبة.

نلسـون مانديلا الذي تحل اليـوم ذكرى وفاته الثالثة (ولد عام 1918) كان نسـيج وحده، تأثـر بغاندي، لكنه خالفه في مذهب “اللاعنف” واختار مانديلا الكفاح المسلح، تأثر بالثورة الكوبية لكنه لم يتخذ الشيوعية مذهباً، تأثر بجواهر لال نهرو، ولو كان مانديلا في موقع الزعامة في الخمسينات لانضم إلى “عدم الانحياز”.

في أحـد الأفـلام التي صنعـت عن مانديـلا، وقـام بدوره باقـتدار الممثـل الأمريكي مورغان فريـمان، ينظر قائد فريـق “الرجبي” الأبيض إلى البعــيد، وتسـأله زوجته عـما إذا كان يفكر بمباراة الغد النهـائية، فيجيب بالنفي قائلاً: بل أتساءل: كيف يمكن أن يمضي الرجل 27 عاماً في الزنزانة ويخرج بهذه الروح؟

قيل الكثير عن مانديلا وسيقال أكثر، ولكنني أقول: لو كان مانديلا مطلعاً على تاريخ الإسلام لقلت إنه تأثـر في موقـفين عـلى الأقـل من أهم مواقـف حياته بنبي الإسـلام صلى الـلـه عـليه وسـلم. خـرج من السـجن منتصراً ليجد أن زوجتـه “ويني” التي تزوجهـا عام 1958 خالفت القـوانين، وكان بإمكانه أن يأمر بالعفـو عنها، لكنه تـرك القـضاء يقول كلمته، فحكم عليها بالسـجن سـت سـنوات. في حجة الوداع قال نبي الهدى: يا عباس بن عبد المطلب اعمل، فإني لا أغـني عنـك مـن الـلـه شـيـئاً، يا فـاطمـة بنت محمـد اعـملي، فـإني لا أغـني عـنك من الـلـه شيئا.

انتصرمع شعبه وبشعبه، وكان بإمكانه أن ينتقم من العنصريين البيض، وأن يصادر أموالهم وأملاكهم، ويطردهم من جنوب إفريقيا، كما فعلت دول إفريقية أخرى، ولكنه دعا إلى “أمة قوس قزح” وإلى “الحقيقة والمصالحة”، وأمنهم على حياتهم وأموالهم. بعد الفتح العظيم “فتح مكة” كان يمكن لنبي الإسلام أن ينتقم ممن اضطهدوه وعذبوه وحاولوا قتله وأخرجوه من مكة، أحب بقاع الأرض إلى قلبه، لكنه بعد أن أمنهم سامحهم وقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء.


بك يزهو المجد يا وطني

 

لـعـزّك ســيـدي تُـحـنى الـرّقـابُ

وتـرتــفـــع المـنــائــر والقِـبــابُ

إذا مـا صارت الـدنـيــا ســــؤالاً

فـأنـت لكـل مـعـضــلــةٍ جــوابُ

وأنـت الهَــدْي إن تاهـَـت دروبٌ

وغــيــرُك في مَـفــازاتٍ سـرابُ 1

وأنـت الـصـبحُ إن طـالـت دَيـاجٍ

وأنـت النـور إن عـمَّ الـضـبــابُ

فـإن نـطــق العِـدا فـالـقـول إفـْـكٌ

وأنت الـصـدق بل أنـت الصـوابُ

أتصمُتُ في حِمـاك طيـور شــدْوٍ

وينعـق في ربى وطـني الغـرابُ

نـضـحّي بالـنـفـائـس في نـضـالٍ

وعــزّكِ يـا شـــآمُ هــو الـثــوابُ

إذا شـــمـخـت شــــآم لا نـبـــالي

أجــاء الـمــوت أم حـلَّ العــذابُ

بنى الأجـدادُ فـيـكِ شـمـوخ مجـدٍ

وتـحـمـيـــه الأســنـَّـة والحِـرابُ

نـفـدّي بالـدمــا وطـنــاً عـزيــزاً

ولا نـبـكي وإن فــدَح المـصـابُ

بـنـي وطـنـي وشـــامُـكـمُ تــأذّى

فلا يحـلـو الـطعـام ولا الشـرابُ

ســـنـرفـع مجدَهــا فـوق الأعـالي

يـضيءُ الشـمسَ إن مـرَّ السحابُ

كـأن الـمـجــد طـار بـلا جـنــاح

يـرفــرف فـوقــه عـزاً عـُـقـــابُ 2

تُـروِّي تُـربــَــه مـنـــّــا دمـــــاءٌ

فـيُـنـبــت بـيـرقَ العــز الـتـرابُ

وتـضـبـح عـاديـاتٌ في صـبــاح

ولـيـس يـُهـمّ إن نـبـحــت كـلابُ 3

أقِــمْ يــا ســـيـدي أركــان عــدْلٍ

وحـطـِّم مـا تـحـاولــــه الـذئــابُ

وشـــيـِّـدْ لـلـكـرامــة صـرح عـزّ

وأعْـلِ الصـرح إذ عـمَّ الخـرابُ

وأطلـق صيحة كالصُـور صوتـاً

فـيـأتـيــك الأحـبـة والـصِـحـــابُ

فـســيـفـك قـاطــع لا ثـَـلـْـمَ فـيــه

وتعـنـو تـحـت شـفرتـه الـرقـابُ

إلام نعـيـش يـا وطـني اغـتـرابـاً

ويـُضـنيـنـا السـؤال متى الإيـابُ

فـمـا لـلـحـُـرِّ عِــزّ في الـمـنـافي

وذُلُّ الـروح يا وطـني اغـتـرابُ

بَـنـُـوك تـشـرَّدوا في كــلِّ أرضٍ

يـصـدُّهـمُ الطـغــاةُ فـلا اقـتـرابُ

قـلــوبُــهـُـــمُ مـعـلـَّــقـــة بـشـــامٍ

فـإن نـاديـتَ يـا وطـنـي أجـابــوا

________________

1المفازات: جمع مفازة وهي الصحراء المهلكة

2 العقاب: العلم الكبير، وكان اسم راية رسول الله صلى الله عليه وسلم

3 العاديات: الخيل تعدو قال تعالى: والْعادِياتِ ضَبْحا، والمغيرات صبحا، وضبحت الخيل: حمحمت، وقيل: صهلت


الحنين إلى الزمن الجميل

  ما دار حديث في جمـع من الأصحاب، وما سألت أحداً مرة، ولاسـيما في مناسـبات كمناسـبة العيـد، إلا سـمعت من الجميـع تحسـراً على الماضي ، وحنينـاً إلى تلك الأيـام الجميلـة، وبعد عشرين أو ثلاثين سنة قد يسأل أحد شباب أيامنا، وسيبدون الحنين إلى هذه الأيام (ستكون قد صارت الماضي) وسـيتحسـرون على جـمالها وعذوبتها وصفائهـا و«بسـاطتها» وسـيقولون لأبنائهم: أين أيامكم هذه من أيامنا؟ وأين زمنكم هذا من «الزمن الجميل» الذي عشناه؟

وعندما كنا صغاراً كان الأكبر سناً يقولون الشيء نفسه عن أيامهم، ويتحدثون عن زمنهم الجميل. كانت أمي تحدثني عن أيام طفولتها في قرية ضائعة في الجبال ثم عن أيام صباها وبعد أن تزوجت في بلدتنا «التي كانت قرية كبيرة عندها) وكأنها تتحدث عن «الفردوس المفقود» وكذلك كان الجميع يفعلون.

ما قصة الحنين إلى الماضي؟ ما قصة التشبث بالأيام التي راحت ولن تعود؟ ماذا كان في تلك الأيام لنسميها «الزمن الجميل»؟ وإذا تابعنا كلام كل جيل عن أيام طفولتهم وشبابهم سنجد هذا الزمن الجميل مرتبطا بالماضي، بينما لا يرونه جميلاً عندما يعيشونه.

ماذا كان في تلك الأيام سوى الفقر والأمية والتخلف؟ كيف يحن إنسان إلى أيام العربات التي تجرها الخيول، ومواقد الحطب التي تملأ البيت دخاناً، والأمراض التي تفتك بالناس دون أن يجدوا دواء، وتعلم «القراءة» الذي كان حلما لا يقدر على تحقيقه إلا قلة، وقضاء الأيام في بلوغ مدينة أخرى نبلغها الآن في ساعة، كيف يكون الزمان الآن عادياً أو رديئاً ثم يصبح بعد ثلاثين سنة جميلاً؟

الواعون المدركون يقولون إنهم يبكون «البساطة» التي كانت تلف حياة الناس وعلاقاتهم الاجتماعية، و«القيم» التي كان الجميع يتمسكون بها، وهذا يعني «المصيبة» بذاتها، لأنه يعني أننا نسير في خط متنازل بسرعة مخيفة. هذا يعني أننا نفقد البساطة والقيم والبراءة، في مقابل ما نحقق من تقدم، وهذا أمر مخيف.. أن نفقد القيم في مقابل التقدم المدني.

تزداد الحياة تعقيداً يوماً بعد يوم، وندفع قيمنا وعلاقاتنا الاجتماعية وهويتنا وأصالتنا ثمناً لما نحقق من تقدم، يبكي كل جيل على زمن طفولته وشبابه.. ويراه «الزمن الجميل» والمخيف أكثر أن نتصور المستقبل – عندما سيبكي أبناء الأجيال الحالية على هذه الأيام الحاضرة  لأن هذا يعني ان المستقبل الذي سيكون أفضل من الآن علمياً وتكنولوجياً، سيكون أسوأ بكثير فيما يتعلق بالهوية والأصالة والقيم. ولذا نحن بحاجة ماسة إلى أن نطوّع التقدم لا أن نكون تابعين له، وأن نتمسك بالثوابت، لا أن نترك أنفسنا كقشة في مهب الريح.


لماذا نسينا الأحواز؟

لا أستطيع أن أحصي بسرعة عدد المرات التي قرأت فيها تأكيد هذا المسؤول العربي أو ذاك أن عـلى إيران أن تـتوقف عن التدخل في شـؤون الدول الأخرى، ولكنني أسـتطيع التأكيد أن إيـران كانت دائمـاً تـقابل هذا الطلب (أو الرجاء) بالرفـض المطلـق، وتـتمادى في تدخـلاتهـا وإثارة القلاقـل في هذه الدولة أو تلك، بادعاءات كاذبة منهـا أنها نصيـرة المظلوميـن وحامية الشـيعة في كل مكان، مع أن الشـيعة لم يطلبـوا هـذه الحمايـة منها، لكنهـا لا تجرؤ مثلاً عـلى النطق بكلمة تتعلق بالشـيعة في الهند أو في باكسـتان مثلاً، مع أن شـيعة الهند يبلغون 16 إلى 24 مليون نسمة، وشيعة باكستان 19 إلى 28 مليون نسمة.

ومنذ 1948 وقبل ذلك لم تتوقف الحناجر والأقلام العربية عن الصراخ بأن فلسطين عربية، وأن إسـرائيل دولة طارئة مارقة تمارس أبشـع أنواع الاسـتعمار، ولكن أحداً لا ينطق بكلمة عن احتلال إيران أرضاً عربية تزيد مسـاحتها عن 15 ضعف مسـاحة قطر، وتكاد تسـاوي مسـاحة سـورية، وفيهـا أكثر من مليونين من العرب الأقحاح 99% منهم من السـنة حسـب إحصاء إيراني ويعتقد أن العدد أكبر من ذلك.

لا يتسـع المقام لسـرد تاريخ العرب في الأحواز، وتآمر بريطانيا مع شاه إيران، مما سـمح له باحتلالها عام 1925 فلدى الجامعة العربية رسائل ووثائق من أحرار الأحواز تكشف الحقائق وأكاذيب إيـران، ولا حياة لمن تنادي. وليسـت الأحواز فـقيرة تسـتجدي المسـاعدة، بل لعلهـا أغـنى من كثير من الدول العربية بما فيهـا من نفط وغاز وأرض خصبـة لـلزراعة ومعادن وخبرة طويلة في الصناعة.

ما الذي فعلته إسرائيل في فلسطين ولم تفعله إيران في الأحواز؟ لقد فرضت اللغة الفارسية، وغيرت أسماء الأماكن والبلدات والمدن، وغيرت التركيبة البشرية بتهجير الأحوازيين ونقل أعداد كبيرة من الفرس الإيرانيين، فلماذا نعتبر قضية فلسـطين قضيتنا الأولى ولا نأتي على ذكر الأحواز؟ لماذا إسـرائيل عدوة للعرب كلهم، ونتهم بالخيانة من يسـعى أو يدعو إلى التطبيع معها، ولكننا في المقابل نقيم أفضل العلاقات مع إيران؟

لم يسـتكن عرب الأحواز على الرغـم من الخذلان العـربي والعالمي لهم، وإذا كانت إيران قد مدت أذرعها الأخطبوطية الشيطانية إلى كل مكان تقريباً في الوطن العربي، فلماذا لا نتبنى قضية الأحواز وندعمها سـياسـياً واقتصادياً وإعلاميـاً وربما عسكرياً؟ هل نخشى أن تـتهمنا إيـران بالتدخل في شـؤونها الداخلية؟ لتفعل، والعين بالعين والسـن بالسن، فهؤلاء عرب سنة، ومن واجبنا نصرتهـم، وإلا اعـترفوا بأن نصرة الفلسـطينيـين تدخـل في شـؤون إسـرائيل الداخلية، ولا تكتفوا بالاعتراف بها، بل أقيموا معها أوثق العلاقات.


جميع الحقوق محفوظة 2012 ©
iDream theme by Templates Next | Powered by WordPress