مقتطفات صحفية

·       أكرر دائماً العتب على قدر الخبرة والمعرفة (قياساً على : العتب على قدر المحبة) وأكرر دائماً أيضاً أن إيراد بيت من الشعر كشاهد على القول يحتاج من الكاتب أمرين اثنبن، أولاً: أن يذكر اسم الشاعر، وثانياً: أن يورد البيت صحيحاً دون خطأ نحوي أو تركيبي أو عروضي.

قال الكاتب الذي أحب مقالاته وسميته “ذا اللغة الرشيقة” وهو كاتب مخضرم ذا خبرة صحفية طويلة “وكما غنت فيروز: ربي أعز الناس كلهم / سوداً أكانوا أم بيضا” وقد ارتكب هنا خطأين فادحين، فلم يذكر الشاعر، وشوه البيت تشويهاً فظيعاً يمكن أن يقاضيه الشاعر عليه.

البيت من قصيدة “غنيت مكة” التي غنتها فيروز بلحن الأخوين رحباني، والقصيدة من شعر “سعيد عقل” وقرأت يومها أنها من شعر شاعر متأثر بسعيد عقل ونسيت اسمه، وأذكر أنه “الرديني” أما صياغة البيت فتدل على تمكن كبير من اللغة والتركيب الشعري تقديماً وتأخيرأ:

وأعـزَّ ربّي النـاس كلـَّهُـمُ

بيضاً  فلا فرَّقت أو سودا

اقرؤوا البيت كما أوردته، وارجعوا إلى البيت كما جاء في مقالة الصحفي ولاحظوا الفرق بين الشعر واللاشعر.

·       كاتب آخر أشهر من الكاتب ذي اللغة الرشيقة يحب أن يعرض بعض الأبيات الشعرية، وفي مقالة له عرض أبياتاً لنصر بن سيار الذي كان والياً على خراسان ايام مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين، وقد أرسلها إلى الخليفة محذراً من العباسيين، والأبيات مثبتة في كثير من المصادر، وقد أورد الكاتب بعضها محرفاً، قال مثلاً:

     فإن النار بالعود تُذكى/ وإن الحرب أولها كلام

    وتلاحظون أن في البيت خللاً عروضياً لأن أصله:

    فإن النار بالعودين تذكى     وإن الحرب أولها كلام

    ونقل أيضاً:

    فإن لم يطفها عقلاء قوم      يكون وقودها جثث وهام

    والخطأ هنا في الشطر الثاني، والصحيح أن يكون “جثثاً وهاما” لأنها خبر يكون،        

    لكن الأصل:

فإن لم يطفه عقلاء قوم     فإن وقوده جثث وهام

والضمير في “يطفه” وفي “وقوده” عائد على الوميض. وقال أيضاً:

 فإن يك أصبحوا وذروا نياما    فقل قوموا فقد حان القيام

وتلاحظون ارتباك الجملة لأن الأصل:

فإن يكُ قومنا أمسوا رقوداً      فقل هبوا فقد حان القيام

     وقال أيضاً، ولا معنى للشطر الأول:

     فقري عن رحالك ثم قولي/ على الإسلام والعرب السلام

     أما الأصل فواضح جداً:

     تعزّوا عن زمانكمُ وقولوا      على الإسلام والعرب السلام

·       وقال الكاتب الشهير في مقال آخر “أعود إلى السياسة، وهي ما قال أبو العتاهية: يسوسون الأمر بغير عقل/ فينفذ أمرهم ويقال ساسة/ فأفٍ للرجال وأفٍ/ من زمن رئاسته خساسة” وهنا أخطأ مرات. نسب البيتين إلى أبي العتاهية وهما لأبي العلاء المعري، ونقل البيتين خطأ فكسر الوزن، ولا يمكن أن يخطئ أبو العلاء في العروض. قال: يسوسون الأمر بغير عقل، والبيتان من الوافر ولكنه أخرجهما بأخطائه من دائرة البحور، وأصله:

    يسوسون الأُمورَ بغيرِ عقلٍ       فينفُذ أَمرُهم ويقالُ ساسَه

    وقال:

    فأفٍ للرجال وأفٍ/ من زمن رئاسته خساسة

    وأصل البيت:

    فأُفَّ من الحياةِ وأُفَّ منّي       ومن زمنٍ رئاستُهُ خَساسَه

·       وهذا كاتب مشهور آخر فاز ذات عام بجائزة أفضل مقال يومي ينقل بيتاً من الشعر فلا يكلف خاطره البحث عن الشاعر وصحة البيت، بل كتب: وكما قال شاعرنا الأندلسي:

    لولا ملوحة ماء البكاء     حسبت دموعي أنهارها

    ولو أنه أتعب نفسه قليلاً لوجد أن البيت لواحد من أشهر شعراء الأندلس هو ابن حمديس الصقلي الذي نشأ في صقلية ومنها استمد لقبه، ثم هاجر إلى الأندلس، ومنها إلى إفريقية. ونقل البيت خطأ، وكسر الوزن الشعري، فالبيت من البحر المتقارب، لكن الكاتب بما فعل أخرجه من دائرة المائيات عامة، وأصل البيت:

   ولولا ملوحة ماء البُكا       حسِبتُ دموعيَ أنهارَها

·       لا أرى مانعاً من لجوء الكاتب إلى اللغة العامية إذا أحتاج إلى كلمة “قوية” التعبير، ولم يجد لها مرادفاً في الفصحى، وفي هذه الحالة يشترط أن يضع الكلمة بين قوسين، كيلا لا يختلط الأمر على القارئ ويحسبها من الفصحى، ولكن الكاتب ذا اللغة الرشيقة لجأ إلى العامية دون مراعاة هذا الشرط فقال “هنا الهناء وهناك التعتير” وسيفهم القارئ أنهما نقيضان، ولكن كلمات تعتير ومْعتــَّر (الميم ساكنة والتاء مشددة) وتْعتـَّر (التاء الأولى ساكنة والثانية مشددة) عامية، وحين يقارن بين الازدهار ونقيضه يمكن أن يورد البؤس أو التخلف أو الفقر أو الجمود، دون الحاجة إلى هذه الكلمة المغرقة في عاميتها اللبنانية والسورية.

·       قرأت مقالة فيها “فالحصاد تمّ، ووقت الرجاد حان، وسيقوم الجميع برجد حصاده إلى البيدر؟” والبيدر كلمة فصيحة وهي المكان الذي يجمع فيه القمح وغيره ليداس لفصل الحب عن القش ومنه المثل “حساب الحقل لم يطابق حساب البيدر” أي إن الناتج لم يوافق المتوقع، فماذا عن رجد والرجد والرجاد؟ الرجْد غير صحيحة، لكن الفعل رجد والمصدر الرجاد صحيحان، نقول: رجَدَ الرجل رجاداً أي نقل حصاده إلى البيدر. ولا داعي لأن أسأل عن أصل الكاتب فهو بلا أدنى شك ابن فلاحين أو ابن منطقة ريفية زراعية.

·       كان الكاتب يتحدث عن “كلبة” متهمة عند الشرطة بأمر ما فقال “اعتقلوها، وأخذوا نسخة عن بصمات حوافرها”، وصحت: يا للمصيبة، لا يعرف هذا الكاتب الفرق بين “الكلبيات” وهي فصيلة من الثدييات من اللواحم، وتشمل الكلب والذئب وابن آوى وغيرها، و “الحافريات أو ذوات الحافر” وهي فصيلة أخرى تضم الحمار والحصان والبغل وغيرها. هذه معلومات يعرفها طلاب الأول الثانوي.

·       قال أحد الكتاب “وأعابوا عليَّ نشر الصورة” والخطأ الذي لا يجوز أن يقع فيه مبتدئ هو استخدام فعل “أعاب” فليس في المعجم الصحيح مثل هذا الفعل، بل هو “عاب” وهو فعل يأتي لازماً ومتعدّياً، فتقول: عاب الشيءُ أي صار ذا عيب، وعبته أنا وعابه عيباً وعيَّبه وتعيَّبه إذا نسبه إلى العيب، وجعله ذا عيب. ورجل عيّاب كثير العيب للناس.

·       في “أخبار الحمقى والمغفلين” لابن الجوزي أن أحدهم قال لآخر: كل شيء في النحو فهمته إلا هذا الذي يقولون: أبو وأبا وأبي، فقال الآخر: يا لـُكـَع، إذا كان الرجل من عِلية القوم قالوا: أبا، وإذا كان من أواسطهم قالوا: أبو، وإذا كان من أدناهم قالوا: أبي (اللكع: الصغير العقل والعلم) ويبدو أن صاحبنا الكاتب ذا اللغة الرشيقة اتبع هذا المبدأ، فقال في مقالته: من هو ومن أبوه، لكنه في العنوان قال: إحزر من هو ومن أباه، فما الذي جعله ينتقل من “أبو” إلى “أبا”؟ وبالمناسبة فعل “حَزَر يحزُر ويحزِر حزْراً” ونستعمله كثيراً في العامية فعل فصيح، وهو المعرفة بالحدس، فتقول: أنا أحزر هذا الحقل بكذا وكذا. ويقول العامة: كم هذا يا حِزْرَك؟ وهو قول فصيح سوى أنهم غيروا حركات الأحرف.


هوامش

1

جـزى الـلـه الشـدائـد كلَّ خيـر

عرفت بها عدوي مِن صديقي

2

إنهـا محـنة يـمتحـن الـلـه بهـا صبـرنا وإيماننـا وتلاحـمنا ووحدتـنا وتعاطفـنا وتراحمنا وقـوة عزيمتنا في مواجهة الشدائد … إنها فتنة .. والفتنة نائمة لعن الـلـه موقظها.

3

قال الإمام الشافعي:

ولـرُبَّ نازلة يـضيـق بهـا الفـتى

ذرعاً، وعـند الـلـه منها المَخرجُ

ضاقت، فـلما استحكمت حلقاتـُها

فُـرجت، وكنـت أظنها لا تُـفـرَجُ

 4

نتمسك دائماً بالوحدة العربية وقبلها بالوحدة الخليجية، ولكن على الآخرين أن يبرهنوا على إيمانهم يهذه الوحدة، هل تذكرون قصة الشيخ الذي طلب من كل من أبنائه أن يكسر حزمة من العصي، فعجزوا، فلما فرقها وأعطى كل واحد عصا كسرها بسهولة:

تأبى الرماح إذا اجتمعـن تكسُّراً

وإذا افـترقــن تـكـسَّـرت أفـرادا

5

الحكومة للشـعب كالأم الرؤوم لأولادها، تحبهـم، وترعاهم، وتحميهم .. ويقابلونها حباً بحب، وولاء وطاعـة في مقابـل الرعايــة والحـمايـة والأمـن والأمان، وهـكذا كانت القيادة القطرية والشـعب القـطري، وما زالا، ولن يتغـيرا .. فـإذا كان أحد يراهـن عـلى أنه يسـتطيع أن يدق إسفيناً بين الإثنين، فليفق من أوهامه.

6

قـيل للأحنف بن قـيس سـيد تميـم وحكيمها وحليمهـا: ممّن تعلمت الحِلم ؟ قال : مِن قـيس بن عاصـم. جاؤوه بابنه مقتولاً وابن أخيه مكتوفـاً، فـقال لـه: يا ابن أخي بِئسَ ما فعـلت، أثِـمـتَ بربـك، وقـطعـت رحمَـك، وقلـَّـلـْت عـددَك، ورميتَ نفسَـك بسـهمك.

 7

تمتحن الشـدائد الرجـال والعـزائم، وليس كمثل النار تكشف المعادن، وقد نجد بعض ضعاف النفوس، ولكن نار المحنة تكشفهم، فلا يستغلن أحد المحنة لتحقيق مكاسب، فإن الـلـه يغضب عليه، والشعب والقيادة له بالمرصاد.

8

قد تأتيك الطعنة من العدو الصريح أو المستتر، ولكن الطعنة من الأخ الشقيق أقسى:

وظلم ذوي القربى أشـدُّ مضاضـة

على النفس من وقعِ الحُسامِ المهندِ

9

يتوهـمـون أننا ســنركع جائعـين. صحيـح أن اسـتيـراد بعـض المـواد أرخـص من إنتاجهـا، ولكنـنا نـتذكر مقولـة جـبران “ويلٌ لأمـة تأكل ممّـا لا تزرع” ولعلـّنا نـتعلم درسـاً من هـذه الأزمة: أننا يجب أن ننتج ما يكفي ويفيض عن الحاجة. قد تقوم الحكومة بهذا، وقد يقوم به القـطاع الخاص، وقـد يتعاونان، ولكن! يجب أن يدرك الجـميع أن الحصار لم يحقق أيّاً من أهدافه.


فخرٌ آخرُ لقطر

تنازعتني خلال الأسـبوع الماضي أفكـار شـتى للكتابة عنهـا، ولو أنني أكتب في يـوم النشـر نـفسـه، لاحترت بين ذكرى الذل، وتقـرير عالمي يشـهد لقـطر بالتميز، ويحـق لكل قـطري وعـربي على هذه الأرض الطيبة أن يفخر بهـذا، وما أقل ما تفخـر به الأمة في هـذه الأيام السود.

صـدر تـقـريـر مؤشـر السـلام العـالمي Global Peace Index الذي يصدره معهـد لنـدن للاقـتصاد والسـلام، بالتـشـاور مع فـريق دولي من الخبـراء و المعاهـد ومـراكز البحـوث، وبالتعـاون مع مركز دراسات السـلام والنـزاعـات في جامعـة سـيدني الأسـترالية، ويحظى بدعم مجموعة من أصحاب النفوذ وكبار الشـخصيات العالمية، من بينهم الأسـقف ديزمونـد توتو الحائز عـلى جائزة نوبل للسـلام، والأمين العام السـابق للأمم المتحدة، كوفي عنان. وتصدرت قطر للعام التاسـع قائمة دول الشـرق الأوسـط وشـمال إفريقيا في هذا المؤشـر كما احتلت المرتبة الـ(30) على المسـتوى العالمي من بين (163) دول شملها التقرير. وحافظت دولة قطر على تصنيفها هذا طيلة السنوات الماضية من (2009- 2017)، ويعكس هـذا الأمـر المكانة التي تحتلها قطر على مستوى العالم في مجال الأمن، والتي جاءت متماشية مع رؤية قطر (2030) والاستراتيجية الرامية إلى تعزيز الأمن على مستوى الدولة.

إنها حقائـق ووقائع وأرقام يعتمد عليها تقـرير مؤشـر السـلام العالمي، تدور حول عدة محاور منها الشـؤون الداخليـة والخارجيـة للدول، مثل الاسـتقرار السياسي، ومدى انتشار الجريمة في المجتمع، ومستوى احترام حقوق الإنسان، ومدى العنف المنتـشـر بين أفراد المجتمع، والصراعات الداخلية، والعلاقـة مع البلدان المجاورة ،والجرائم الإرهابية الواقعة على أراضي الدولة، مدى المشـاركة في دعـم قوات حفـظ السـلام، والقدرات العسكرية، وحجم المشاركة السياسية، ومدى انتشـار الفسـاد، وحرية الإعلام، ومشاركة المرأة في الحياة العامة السـياسية، ومدى الرعاية الصحية للسكان، وفـرص التعليـم، وغيرهـا. ويُعـد مؤشـر السـلام العالمي محاولة لقياس وضع المسالمة النسبي للدول والمناطق.

وإذا كانت قطر ستباهي وتفاخر ويحق لها، فإنها الأولى عربياً والثانية عالمياً من بين 134 دولة في مؤشـر الدول الأكثر أماناً وسـلاماً، والسـابعـة عـالمـياً والأولى عـربياً في مؤشـر الجريمة العالمي، وفي مؤشر التنافسية العالمية 18 عالمياً والثانية عربياً من بين 138 دولة. وغير بعيد عن هذه المؤشرات، تبوأت دولة قطر المرتبة الأولى عربياً و33 عالمياً في تقرير التنمية البشرية لعام 2016 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، كما حصلت على المرتبة الأولى في جودة التعليم. وللمقارنة تصدرت نيوزيلندا القائمة، تلتها الدنمارك والنرويج، جاءت الولايات المتحدة 83، والصين 74، وروسيا 136، والمملكة المتحدة 35.

ليست الدول بمساحتها وعدد سكانها وقوتها العسكرية والاقتصادية “قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين”


الذل لا تحلو مرارته

نتجرع هذه الكأس منذ خمسـين عاماً، كأننا اسـتسـغناها، أو كأن الكأس طاب مذاقها، ونجد أنفسنا مضطرين سـنة بعد أخرى إلى التذكير بطعم الذل الذي تجرعناه في مثل هـذا اليوم، وما زلنا نفعل، وتذهلنا قدرتنا على تجرع هذا الهوان كله.

أذهـلتـنا الحكومات العـربيـة منذ اسـتعضنا عـن الاسـتعـمار الخارجي باسـتعـمار داخلي، بقدرتهـا المذهـلة على الكذب وبيع الشـعارات الكبـيـرة، ثم التـنصل مـنها دون أي حـياء. أذهلتـنا الحكومات العربية الثورية عام 1967 عندما هزمتـنا إسـرائيل خلال 6 سـاعات، أما الأيام السـتة التالـية فكانت تدريـبات عـسـكرية لـلجيش الإسـرائـيلي. خنـقـتم أصواتنا، وصادرتم حرياتـنا، ووطئـتم كراماتـنا، ونهـبتم جيـوبنا باسـم تحرير فلـسـطيـن، وإذا بكم تنهزمون خلال سـاعات ، ولم تخجل الحـكومـات مـن أن تدعي أنها نكسـة. أين الجـيوش التي ســرقـتم أموال الـشـعـوب بحجة تـسـلـيحها؟ ودخلـنا زمن ذهـول جديد، وصار القائد والحزب أهم من تحرير فلسطين.

أذهـلنا الجندي العـربي ببطولاتـه عام 1973 ثم أذهـلـتـنا الحكومات بتـضيـيع البـطـولات والتضحيات، وتحول النصر إلى هزيمة. لم يعد أحد يتحدث عن تحرير فلسطين، وصارت القضية تحرير الأراضي المحتلة عام 1967 .

ربما ما زال بعض أبواق الإعلام يصر على أنها نكسة، وجرب العرب في 1973 تحرير ما خسـروا في 1967، وكرسـت إسرائيل احتلالها، واسـتعادت مصر بالمفاوضات سيناء شبه استعادة، وظل الجولان والضفة الغربية محتلين. ليس غريباً أن تنهزم دول في الحرب لكن الغريب والمعـيب أن تسـتكين لهـذه الهزيمة، وأن تعود إلى “العنـتريات التي ما قـتلت ذبابة” دون أن تـبني قـوة تسـتطـيع بهـا أن تمسـح عار الهزيمة. وترتبط هـزيمة يونيـو بأكبر عـملية خداع قامت بها حكومتا مصر وسورية للشعبين، حتى كان الناس يرقصون في الشـوارع صبيحة يوم 5/6 فـقد عاشـوا 19 عامـاً ينتـظرون تلك الـلحظة، وبكوا بعـدها كثـيراً، وما زالوا منذ الهزيمة يبكون.

أهم دروس الهزيمة أن نهضة الشعوب والأمم لا تتجزأ، وتمثل عملية متكاملة تأخذ بالأسباب وتتسم بالتواصل، وتمر عبر مراحل زمنية ممتدة، والتفوق العسكري نتيجة ضمن نتائج أخرى لعملية التنمية والتحديث، وليس سبباً في حدوث هذه العملية أو هدفاً في حد ذاته، فعندما ينمو المجتمع نمواً متوازناً في مختلف الجوانب المادية والمعنوية يستطيع أن يفرز جيشاً قوياً متماسكاً قادراً على الدفاع عن وطنه.

ظللت زمناُ أردد “لن ينام الثأر” وضحك مني كثيرون، ولكنني بعد ذلك عدت إلى مقولة أقدم “لا أحلم بأن يرى ابني – مهما مدّ الـلـه في عمره – هذه الأمة وقد انصلح حالها، وقد أضيف الآن “ولا حفيدي أيضاً” وما زال طعم علقم الذل في أفواهنا.


واعشيرتاه

 

 

حلت ذكرى نكبتنـا في عام 1948 فشـغـلتـنا عـن الحديث عن أمر آخر له أهميته، ذلـك هـو الاحتفال باليوم العالمي للأسرة في الخامس عشر من مايو من كل عام، وقد اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار الاحتفال بهذا اليوم عام 1993.

ماذا تعني لنا الأسرة؟ التعريف البسـيط الذي سـاد طويلاً وما زال صالحاً أنها “الـلبنة الأولى في بنـاء المجتمع” فإذا كانت لبنات المجـتمع كلهـا صحيحـة سـليمة كان المجتـمع كذلك، وإذا كان في الجدار لبنة أو لبنات رديئة انهارالجداركله، هذا صحيح، ولكن كيف تكون هذه اللبنة صحيحة؟ وسـؤال آخر: ما هي الأسـرة؟ مم تتكون؟ لقد تطور هـذا المفهـوم كثيراً، فقد كانت الأسـرة كبيرة حتى إنها قد تقـترب من القبـيلة، ثم تـقلصت قليلاً قليلاً حتى صارت مقـتصرة على الزوج والزوجـة وأولادهـما، وفي الغـرب الذي نقلده في مسـاوئه (حتى إذا دخلوا جُحر ضبّ دخلناه وراءهـم) تفكك هذا المفهـوم، وصارت الأسـرة تعني الرجـل والمرأة والصغـار الذين يحتاجون إلى الرعاية، وتكاد هذه الصيغة تسـيطر على مفهوم الأسـرة عـندنا، فالأولاد يستقلون ويبتعدون، وتكاد الروابط تنقطع.

ما مهام الأسرة؟ يؤسفني أننا نلاحظ أحياناً بعض الأسر تكاد تشـبه الأسـرة الحيوانية، أي إن مهام الأب والأم تـقـتصرعلى رعـاية الصغـار جسـدياً، وماذا عن الرعايـة النفسـية والعقـلية والأخلاقية؟ ماذا عن التربية؟ هل نترك أطفالنا للشـارع يربيهم؟ هل نتركهم لمواقع الإنترنت تعلمهم؟ ماذا عن مكارم الأخلاق التي بعث رسول الـلـه صلى الـلـه عليه وسلم ليتممها؟ من يتولى تلقينها للصغار؟ وعن أي أخلاق نتحدث؟ إننا نتحدث عن الثوابت التي لا تتغير بتغير الزمان والمكان، فالصدق، والأمانة، وترك المعصية، ولزوم الطاعة ، كل هذا لا علاقة له بالزمان والمكان، أما فيما عدا ذلك فإننا نتبع قول الفيلسوف الإغريقي سقراط: ” لا تكرهوا أولادكم على آثاركم ، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم ” وقد يستفاد من ذلك  في مراعاة أمور العادات والأخلاق والمروءات التي لا تتعلق بنص شرعي، وإنما مبناهـا على عادات الناس وأعرافهم، وهذا أمر يختلف باختلاف الزمان والمكان، فينبغي أن يراعي المربي فيه تغير الأعراف وتغير العادات، فلا يحمل أولاده على عـادة أو عـرف اختلف زمانـه ، ما لم يكن ذلك مصادماً لنص شرعي واضح.

إن الأسرة هي الوعاء الحاضن لقيم الأمة الثابتة الخالدة، فإذا تخلت الأسرة عن هذا فإن هذه القيم قد تندثر، ويصاب الجيل بخواء ما أسهل أن يملأه الآخرون بما لا يفيد الفرد والمجتمع، “واعشـيرتاه” لأن الـلـه سـبحانه وتعالى أمر نبيـه الكريم “وأنذر عـشـيرتك الأقربـين” وقالوا إنما هم أهله وأسرته والأقربون.


مقتطفات صحفية

 

·       لكل لغة عبقريتها في التعامل مع المستجد من الأحداث والأمور، وليست اللغة العربية بعيدة عن هذا، وقد تعاملت اللغة العربية مع آلاف الأشياء عبر عصورها، ولاسيما في القرنين الأخيرين اللذين ملأتهما الاكتشافات والاختراعات والتطورات في العلوم الإنسانية والتطبيقية، حتى قولنا “العلوم الإنسانية” اختراع حديث، وكان الأولى القول “العلوم النظرية”. وذات يوم اخترع الراحل المفكر والكاتب والصحفي القومي الدكتور كلوفيس مقصود (رحل في17/ مايو /2016) كلمة “مصداقية” كترجمة لكلمة Credibility  وسادت في الأحاديث والكتابات.

أطلت في هذه المقدمة لأصل إلى أن من حق كل كاتب أن يقترح كلمة جديدة، قد تكون ترجمة لكلمة أجنبية أو اشتقاقاً أو نحتاً من كلمة متداولة، أو تعريباً لكلمة أجنبية (أي إدخال الكلمة في المعجم) كما هي أو بتحويرها قليلاً، بشرط ألا يكون في العربية كلمة تؤدي المعنى نفسه، وهذا ما فعله أحد الكتاب الصحفيين المشهورين عندما كتب “تضليل الرأي العام وإحراف القضية” والمصدر “إحراف” من فعل “أحرف” ولكن هذا الفعل غير موجود في اللغة، وما نجده هو “حرَف حرْفاً” أي أبعده عن طريقه المرسوم.

·       قد يكون محموداً لكاتب ما أن يحيي كلمة قديمة، فيوردها في كتابات جديدة، ولكن بشرط ألا تكون من التقعر، وقد دعونا دائماً إلى التيسير في اللغة. كتب أحد الكتاب المخضرمين “واهتبل فرصة انشغال الحكومة” وقد غيرت لأنني لا أريد التسمية، ونفهم من سياق الكلام أنه وجد فرصة فاقتنصها، ولن ندخل في شرح فعل “اهتبل” والطريف في أمره أنك يجب أن تبحث عنه في باب “نيل” في المعجم وليس في باب “هبل”، فما ضر صاحبنا لو قال “واغتنم” أو “وانتهز”؟

·       قلت كثيراً إن العتب دائماً على قدر العلم والخبرة. وليس الخطأ دائماً في مخالفة الكاتب لقواعد النحو العربي، بل قد يكون لمخالفة الصياغة الصحيحة. قرأت مقالة لكاتب يزين اسمه بلقب دكتور وتعريفه (باحث في علوم اللغة) والمقال من سلسلة عن فقهاء اللغة، قال الكاتب متحدثاً عن سيبويه (ما إن يذكر النحو العربي إلا ويذكر سِفره العظيم الكتاب “قرآن النحو” ).

يجب أن نلاحظ أنه يتحدث عن أعظم علماء النحو العربي، وكل من جاؤوا بعده عالة عليه وتلاميذ له، وعندما نقرأ جملته نخال أن كتاب سيبويه يسمى “قرآن النحو” لكن الحقيقة أن سيبويه لم يضع لكتابه عنواناً وسمي مؤلـَفـُه “الكتاب” فإن قال أحد: نظرت في الكتاب، فإنما يعني كتاب سيبويه، وكان على الباحث أن يوضح هذا فيكتب “إلا ويذكر سفره العظيم المسمى “الكتاب” ويعده النحويون قرآن النحو”

أما خطؤه الذي سيعاقبه عليه سيبويه فهو قوله “ما إن يذكر النحو العربي إلا ويذكر” ولا يرضى سيبويه بهذه الصياغة، ويعرف المتعلمون كلهم أن الصياغة الصحيحة “ما إن يذكر النحو العربي حتى يذكر” ويمكن له أن يورد صياغة أخرى “لا يذكر النحو العربي إلا ويذكر”

·       ومتابعة للعتب على قدر المعرفة والخبرة، عتبت على كاتب مخضرم سميته دائماً “ذا اللغة الرشيقة” ومن حسن الحظ أنه نادراً ما يتطرق إلى شؤون السياسة اليومية فلها عشرات من الكتاب، لكنه أخطأ فقال “الرجل الذي تنطـّح للمهمة” ويجعلنا هذا نعود إلى الجذرين “نطح ونطع”

نطح الحيوان: ضرب بقرنيه، ومن النادر أن تلجأ حيوانات من غير ذوات القرون إلى النطح كوسيلة دفاعية، وليس من مشتقات هذا الجذر فعل “تنطح”. أما الفعل “نطع” فلم يرد هكذا، وأشهر ما يشتق منه “النطع” (بكسر النون وفتحها) وهو قطعة كبيرة من الجلد، كانوا يضعونها ليعدموا الناس فوقها بالسيف, ومن هنا القول المشهور “سيفاً ونطعاً يا غلام”

ومن المشهور أيضاً “تنطـَّع” وهو فعل لا يعني ما نقصده الآن أي “تصدى للأمر وتقـدم”. التَّـنطـُّعُ في الكلام: الـتَّعـمُّـقُ فـيه، وفي الحديث: هَـلـك المُتـنَطِّعُـونَ، هم المُتعَمِّقُون المُغالون في الكلامِ الذين يتكلمون بأقصى حلوقهم تكَبُّراً كما قال النبي، صلى الله عليه وسلم: إِنَّ أَبْغَضَكُم إِليّ الثَّرْثارُونَ المُتَفَيْهِقُون، وهو مأْخوذ من النِّطَعِ وهو الغارُ الأَعْلى في الفَم، ثم استعمل في كل تعمُّق قولاً وفعلاً. إذن كان على الكاتب رشيق العبارة أن يقول “تنطع” والأفضل أن يقول “تصدى”.

·       أعود إلى النسبة وهذه المرة مع كاتب مشهور يحاول أن يسلي نفسه والقارئ أحياناً بمقالات خفيفة، وبعضها في الشعر واللغة. ومما قال في مقالة  عن النسبة “القاعدة العامة هي في ردّ الكلمة إلى المفرد ثم صوغ النسبة، لذلك كانت طالبي أصحّ من طلابي، وصحافي أصح من صُحُفي” وهكذا أصاب في التعريف وأخطأ في التطبيق. قبلوا “طلابي” كي لا تشتبه النسبة “طالبي” مع المنتمي إلى الإمام علي بن أبي طالب كرم الـلـه وجهه، أو إلى آل “أبي طالب” عم رسول الـلـه صلى الـلـه عليه وسلم. أما قوله “صحافي أصح من صُحُفي” فخطأ، فليس هنا “صحيح وأصح” بل القول صُحُفي خطأ، وليست النسبة إلى صحافة بل إلى صحيفة وهي “صَحَفي” كما نقول: مدني نسبة إلى المدينة، وحنفي نسبة إلى حنيفة، ونذكر أن الفرد من  أتباع الإمام أبي حنيفة يقال له “حنفي” ومنه المذهب الحنفي.

·       لا نجد ما يمنع من إيراد أي كلمة قديمة بهدف إحيائها بشرط ألا يتعثر القراء في قراءتها وأن تكون مفهومة، وليس الكاتب مقياساً للفهم، بل يجب أن يتصور القراء وهم العامة. قال الكاتب ذو اللغة الرشيقة عن ديكتاتور عربي “جعل الشعب عبيداً وسدنة” والكلمة الأخيرة يجب ضبطها بالشكل لتسهل قراءتها فهي سَدَنة بفتح السين والدال، ونفهم من العطف أن السدنة يشبهون العبيد أو هم الخدم، وهذا صحيح، ولكنهم خدم من نوع خاص جداً، وهي خدمة تعطي صاحبها القائم بها شرفاً، لأن “السَدَنة” خدام البيت الحرام، وكانت “السِدانة” في الجاهلية لبني عبد الدار، فأقرهم النبي صلى الـلـه عليه وسلم عليها، وهكذا أورد الكاتب كلمة غير مفهومة للقارئ الآن، وأعطاها معنى سيئاً، وكان الأولى به أن يقول “عبيداً وخدماً”

·       نعود إلى التذكير بأن الأفعال العربية نوعان: نوع يتعدى بنفسه إلى مفعوله، ونوع يتعدى بحرف جر ومن الأفعال التي يخطئ كثيرون في تعديتها فعلا “اعتاد وتعوّد” وكلاهما مشتق من فعل “عاد” بمعنى رجع، ويأتي بمعنى زار المريض، فنقول: عاده عيادة، والفاعل في الحالين عائد، و”العُوَّد” زوار المريض. والخطأ الذي يقع فيه كثيرون أنهم يجعلون فعلي “اعتاد وتعود” يتعديان بحرف الجر على، وهذا من العامية، والأصل فيه أن الفعلين (وهما بمعنى واحد) يتعديان بنفسيهما دون حرف جر. ذكرني بهذا كاتب مخضرم سميته صاحب اللغة الرشيقة حين قال “وأنا معتاد على مشاهدة الأخبار” ولعل ما اضطره أنه استخدم اسم الفاعل، ولو أنه قال: “وقد اعتدت مشاهدة الأخبار” لتجنب الخطأ. ووقع في خطأ مشابه حين قال “وأنا مدمن على” وفعل “أدمن” كفعل اعتاد يتعدى بنفسه.


القدس عروس عروبتكم؟

عندما صرخ مظفّر النواب هذه الصرخة متسائلاً بحرقة وحزن شديدين، صفقت الجماهير العربية المقهـورة من البحر إلى البحر، لأنهـا وجدت في تسـاؤله الاسـتنكاري المـستهزئ أصدق تعبـير عن ألمهـا من تعامل الحكومـات العربية مع قضية فلسـطين، وتخليهـا عنها (والقدس رمز فحسـب) مع التشـدق دائمـاً بأن “القضية الفلسـطينية قضية العرب الأولى” وبأنهم لن يتخلوا عن “إخوتهم” الفلسطينيين.

أطلق مظفر هذه الصرخة قبل نحو خمسين عاماً في أوائل سبعينيات القرن الماضي وكان العرب قد تناسـوا “تحرير فلسطين” واكتـفوا بمفهوم “إزالة آثار العدوان” ولم يعـد مطلبهم فلسطين “من البحر إلى النهر” ولا حتى ما أعطاهم قرار التقسيم 181 الصادر بتاريخ 29/11/1947 وتناسـوا قرار عـودة المبعـدين الفلسـطيـنيـيـن، وتعـويضهم عما لحق بهم من أضرار وخسائر وهو القرار 194 بتاريخ 11 / 12 / 1948 وصدرا عن الجمعية العامـة للأمم المتحدة، وليس عـن مجلس الأمن، لا حسـب البنـد السـابع ولا البنـد السادس، ولذلك لم تلتزم إسرائيل بأي منهما.

وحتى عندما ظن البسـطاء العرب والفلسـطـينـيون أن سـاعة التحرير دقـّت، وقامت حرب أكتوبر / تشـرين الأول 1973، تبين أن المقصود طرد إسرائيل من الأراضي التي احتلتها عام 1967 (الجولان السورية وسيناء المصرية والضفة الغربية وقطاع غزة الفلسطينيان) ولم تتحرر سيناء إلا عن طريق ما عـرف بـ “اتفاقية كامب ديفيد” وليست السيادة المصرية كاملة عليهـا، وما زال الجولان محتلاً، بل إن إسـرائيل ضمتـه رسـمياً إلى أراضيهـا عـام 1981، وحتى اتـفـاق أوسـلو بيـن منـظمـة التحـريـر وإسرائيل 1994 يتحدث عن 22% من أراضي فلسطين، ودعكم من دغدغـة العواطف بأن يوماً سيأتي يرتفع العلم الفلسطيني فيه فوق الأرض الفلسطينية كلها “واللي مش عاجبه يشرب من بحر غزة”.

وإذ تطل علينا ذكرى النكبة التاسعة والستون أتساءل: في عام 2002 أعلن المغفور له إن شاء الـلـه الملـك عبد الـلـه بن عبد العزيز (كان ولياً للعهد) مبادرته للسـلام بين إسـرائيل والدول العربيـة، ثم تبنـّى مؤتمر القـمة العربي في بيروت في العام نفسـه المبادرة، وصار اسمها “مبادرة السلام العربية” ورفضتها إسرائيل، وتنص المبادرة على انسـحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتهـا عام 1967 مقابـل التطبيـع الكامل مع الدول العربيـة، فماذا لو أن إسرائيل قبلت المبادرة؟

سـتغرقنا إسـرائيل بالتفصيلات، ولكن لنفترض أنها توصلت مع العرب إلى اتفاق، وعندها كان العلم الإسـرائيلي سـيرفرف في سماء 22 عاصمة عربية، فكيف كنا سنحيي الذكرى؟ ألا يكون من ضمن الاتفاق التوقف عن هذا الحديث؟ هل كانت الحكومات العربية سترسل برقيات تهنئة إلى إسرائيل في ذكرى قيامها، وقد تشارك في الاحتفال؟


الكتاب .. ذلك المظلوم

حاولت تقريب التراث إلى أبناء الجيل الجديد من خلال إعادة كتابة كتابي “البخلاء” للجاحظ و”رسالة الغفران” للمعري بلغة جديدة، وفوجئت مؤخراً بمثقف يسألني تعليقاً على محاولتي “وهل قرأ أحد؟” وكان هذا ضمن حوار لمست فيه يأسه من أي محاولة لتقديم الثقافة للناس، ومع ذلك فإن في سـؤاله الاسـتنكاري كثـيراً من الوجاهـة، نظراً لما يعانيـه الكتـاب في هـذا الوطن الممتد من البحر إلى البحر.

احتفل العالم مؤخراً بيوم الكتاب العالمي في 23 نيسـان / أبريل، وعندما قررت اليونسـكو عام 1995 اعـتماد هـذا التاريخ يوماً عالمياـً للكتاب لم تخطئ، فهو ذكرى وفـاة واحد من أعظم كتاب العالم (سـرفانتس) الذي ذاع صيته ككاتب مسرحي وروائي وشـاعـر إسـباني وصادف أنه تاريخ وفاة أعظم شاعر مسـرحي وليم شـكسـبير. تصوروا أننا أردنا الاحتفال بيوم للكتاب العربي، كيف كنا سنتفق على تاريخ محدد؟

إن أهمية أي عمل إنتاجي تنبع من الحاجة القصوى إليه، وبما أن التدوين مصدر حفظ الابتكار والاستنتاج، فلا محالة من أن يكون للكتاب دوره الرئيسي في أداء تلك المهمة لأي مشروع مبتكر، وتخيلوا أن القدماء لم يدونوا أفكارهم وآراءهم واكتشافاتهم وإبداعاتهم، كنا سنبدأ دائماً من الصفر. وتخيلوا أن المبدعين العرب لم يدونوا الإبداع العربي شعراً ونثراً وفلسفة وحكماً وغيرها، كنا سنصير شجرة بلا جذور.

تقدر الإصدارات السـنوية في العالم العربي بحوالي 30 ألف عـنوان، ولا يزيد عـدد كتب الثقافة العامة منها على 5 الاف عنوان، بالمقارنة مع 102000 كتاب في أمريكا الشمالية، و42000 كتاب في أمريكا اللاتينية والكاريبي. تؤكد المعايير الدولية أنه يفترض أن يكون لكل 6 آلاف نسـمة من السـكان مكتبة عامة، بـينما نجد أن لكل 71 الف نسـمة من السـكان العرب مكتبة عامة واحدة. يصدر كتاب واحد لكل 12 ألف مواطن عربي، مقابل كتاب لكل 500 بريطاني، وكتاب لكل 900 مواطن ألماني. لا تتجاوز مداولات سـوق الكتاب العربي بيعاً وشراءاً 4 ملايين دولار سـنوياً. (عدد السـكان 350 مليوناً) بينـما بلغت مبيعات الكتب في  بريطانيا عام 2016م  1.6 مليار جنيه إسترليني 2 مليار دولار (عدد السكان 66).

يقرأ العربي بمعدل 6 دقائق سـنوياً، ويقرأ الأوروبي بمعدل 200 سـاعة سـنوياً، ويقرأ كل 80 عـربياً  كتاباً واحداً في السـنة، ويقرأ المواطن الأوروبي نحو 35 كتاباً في السنة، والمواطن الإسرائيلي 40 كتاباً.

سُئل الفيلسوف اليوناني أرسطو، كيف تحكم على إنسان ما؟ فأجاب: أسأله كم كتاباً قد قرأ؟ وماذا يقرأ؟ ومن هذا المنحى شاعت الجملة الشهيرة ” قل لي ماذا تقرأ، أقل لك من أنت”


فارس آخر يترجل

فقدنا حتى القدرة على البكاء .. جاءنا نعي الصديق طلعت الشايب فذهلنا .. ألن نسـتمع إلى قفشاته الذكية، ومناقشاته الصاخبة بحق، وتحليلاته العميقة، ومشاركاته الغزيرة في ميادين الثقافة؟ خسـرنا وخسـرت الثقافة، وهي تخسر باستمرار. من أعزي؟ لم أجد من أعزيه إلا نفسي وبعض الأصدقاء.

 

قـالـوا: تـرجَّـل فارس، قـلـتُ: انـدُبـوا   

خـســرَ الـبـيــان فـتىً وأظـلـمَ مـلـعـبُ

عـاشــرتــُـه، وخـبـِرتـُـه، وعـرَفـتــُـه   

صـقراً يـضيـقُ بـه الفـضــاءُ الأرحـبُ

مُــتــدَفــِّـقٌ كالـســيـلِ حُـلـوُ حـديــثـِـه   

فـكأنـّمــا في الحـرفِ عـطـرٌ يُـسـكــَبُ

والـعــقـْــلُ يجـذُبُـه بعـيـداً عـن هـوى    

والعـقــلُ فـي كلِّ الـمـواقـــفِ يـغـلـِــبُ

والظـُرفُ في الألفـاظ بعـضُ صـفـاته   

لـيـســت مـنــاقــبـُـه غـُــثـــاءً يَـذهـَـبُ

يـشـــتـاق شِـــعـراً صـادحــاً ويـهـُـزُّه   

لـحــنٌ تـردَّد في الـمـســامـع مُـطــربُ

عـرَف الأعاجـمَ في عُـيــونِ بـيـانـهـم   

لـكنـّه مـن نـبــــعِ “يـعــربَ” يـشــربُ

تـلـقــاه في الـسُــمّـارِ نـجـمَ فـصـاحَـةٍ    

مُــتـــمــيـــِّـزٌ في قــولــِـه ومُـجـَــرِّبُ

خـبـِرَ الـحـيــاة بـحُـلـْـوِهـا وبـمُــرّهــا   

لــم ألــْـقــَــه إلا لــحــــقٍّ يـغـــضـــبُ

يـكـفــيـــه مـن خِــلٍّ وفــــاءٌ صـــادقٌ   

ويُـثـيــرُ مَـكـمَـنَ حِـنـقـــِه المُـتـَـقـلـِّـبُ

يـأبـى الـخِــداع بـكـبــريـــاءِ مُـقـاتـِـلٍ   

ويـشـَـعُّ صِــدْقاً فـي حــروفٍ تُـكـتـَـبُ

بـدرُ الـمجـالـس إن يـكُنْ في صُـحـبـة   

بــمــحــبــَّـــة، لـكـــنــَّـــه لا يــكــْـذِبُ

تـلـقى الـصِـحـابَ كأيـكــةٍ حَـفــُّـوا بـه   

وحـديــثـــُه كالـشـَـهـْـدِ أو هـو أعْــذبُ

حَــزِن الــرِفــاقُ لـفـَـقـْـدِه وتـألــَّـمــوا    

خفتَ الضياءُ وشمسُ “طلعتَ” تغرُبُ

 


أيتها الصحافة .. لست حرة

ثمة إشـكالية دائمة في تعاملنـا مع المنظمـات الدولية غـير الحكوميـة (مراسـلون بلا حدود، أطبـاء بلا حدود، منظمـة العـفو الدولية، منظمات حقوق الإنسـان، وما شـابه) فعندما تصدر هذه المنظمات تقريرها السنوي نقف منه أحد موقفين: إن كان التقرير يمتدح سجل هذا البلد أو ذاك، فإننـا نطبل له ونزمر، وننشـره على أوسع نطاق، ونتباهى بهذه الشـهادة، وإن كان التقرير ينتقد سـجل البلد في هذا المجـال أو ذاك، فإننا نهمله، وكأننا بهـذا سـندفنه ولن يقرأه أحد.

مراسلون بلا حدود”  منظمة غير حكومية تنشد حرية الصحافة، تتخذ من باريس مقراً لها. وتدعـو بشــكل أسـاسـي إلى حريـة الصحافـة، وحريـة تداول المعلومـات، وللمنظمـة صفـة مســتشـار لدى الأمم المتحدة، وتسـتند إلى المادة 19 من الإعلان العالمي لحقـوق الإنسـان، التي تنص عـلى أن “لكل إنسـان الحق في حرية الرأي والتعـبير، وحرية البحث، واسـتقبال وتوزيع المعلومات والأفكار”.

أصدرت المنظمة في 26 أبريل تقريرها السنوي الذي يُنشر سـنوياً منذ عام 2002، ويعمل على قياس حالة حرية الصـحافـة في 180 بلداً، انطلاقاً من تقيـيم مدى التعددية واسـتقلالية وسـائل الإعلام واحترام سـلامـة الصحفيـين وحريتهـم، ويأخذ ترتيب 2017 بعيـن الاعتبار الانتهاكات المرتكبة خلال عام 2016. ويتم احتساب المؤشرات العامة والإقليمية بناء على النـتائج المسـجلة في مختلف البلدان، وهي تقـوم على أسـاس اسـتبيان معياري بعشـرين لغة مختـلفة، حيث يشـارك خبـراء من جميـع أنحاء العالم  في التحليـل النـوعي، ولم تكن مواقع الدول العربية في الترتيب مشرفة، وأكد التـقرير أن منطـقـة الشـرق الأوسـط وشـمال أفريقيا أصعب وأخطر منطقة لكل من يرغب في ممارسـة العمل الصحفي، إذ توجد 8 دول تـنتمي إلى هذه المنطقة في القائمة السوداء.

واحتلت النرويج المرتبة الأولى في صدارة التصنيف العالمي، متبوعة بالسـويد في المرتبة الثانية وفنلندا في المرتبة الثالثة (الأولى على مدى سـت سنوات) وفي المقابل، يأتي في ذيل الجـدول تركمانسـتان 178 وإريتريـا 179 وكوريا الشماليـة 180، وتأتي سـورية قـبل هـذا الثـلاثي في المرتبة 177، وتحوم معظم الدول العـربيـة حـول الرقم 100 ما عـدا موريتانيا 55 وتونس 97. ولا يعـزينـا أن دولاً أوروبية تراجعت: إسبانيـا 29 وفرنسـا 39، وإيطاليـا 52، والمملكة المتحدة 40، وتراجعت الولايات المتحدة إلى المرتبة 43.

وبعد يومين من صدور تقرير “مراسلون بلا حدود” صدر تقرير منظمة “فريدوم هاوس” المشابهة التي قالت إن 13% فقط من سكان العالم يتمتعون ب”صحافة حرة” وإن 45 % يعيشـون في دول تعتبر بيئة الاعلام فيها “ليسـت حرة”، وإن حرية الصحافـة وصلت الى أدنى مستوى لها منذ 13 عاماً.


جميع الحقوق محفوظة 2012 ©
iDream theme by Templates Next | Powered by WordPress