مقتطفات صحفية

·       يؤلمني كثيراً أن الكتاب لا يحترمون الشعر العربي ولا الشعراء العرب، ويتجلى هذا في شـكلين: يأتون بالبيت دون ذكر الشاعر، أو ينسـبون البيت لشـاعر آخر كالذي نسـب بيتاً لطرفة بن العبد إلى لبيد بن ربيعـة، أو يوردون في مقالاتهم أبياتاً شـعرية مليئة بالأخطاء النحويـة مما لا يجوز أن يـقع فـيه طالب الثانويـة، بالإضافـة إلى أنهـم كثـيراً ما يوردون البيت مكسوراً عروضياً.

قال من يعرف نفسه بأنه كاتب وباحث ومترجم، ويكتب بصورة شـبه يومية في صحيفة عربية مهاجرة مشهورة: وأنا كما قال المعري:

       من سـاءه سـبب أو هاله عجَب    فلي ثمانون عاماً لا أرى عجبا

ولم يبلغ الكاتب الثمانيـن، ولكنه أراد أنه لا يرى عـجباً. لفت البيت انـتباهي، وأردت أن أقـرأ القـصيدة التي منهـا هـذا البيت، وبحثـت في شـعر المعري فـلم أجـده، ثـم اسـتعـنت بالإنترنت، فوجدته مع بيت آخر يليه:

       الدهـر كالـدهـر والأيـّام واحـدة     والنَّاس كالناس والدنيا لمن غلبا

ولكن لا وجود للبيتـين في “سـقـْط الزَنـْد” فهذا الديوان هـو شـعره قـبل الثمانيـن بعـقود، وقافيتهما دليل على أنهما ليسـا من “اللزوميات”: القافية الأولى جيم وباء، والأخيـرة لام وباء. ولا في “رسـالة الغـفران” و “رسـالة الصاهل والشـاحج” و “رسـالة الملائكـة” و “الفصول والغايات” ويتكرر ورود البيتـين في مواقع شـتى، وينسـبهـما الجميـع إلى أبي العلاء، أسلوب أبي العلاء فوق مستوى البيتين من حيث التقنية والبنية والأفكار، شاورت صديـقاً من الظـرفاء فـقال: “لعـل قائلهما أصيـب بالفـصـام، أو رأى في أحلامـه أنه صار المعـري، فانـتحل وادّعى. أظن أن أبا العـلاء حتى في صبـاه لا يأتي بنـظم هـزيل كهـذا، فكيف يقوله في الثمانين؟ لم نسمع بأنه “خرّف” فالبيتان مصابان بالزهايمر الشعريّ”

·       عـوّدنا الكتاب على الخطأ في نـقل الأبيات الشـعرية، إما بنسـبة البيـت إلى غـير قائله، أو بالأخطاء النحوية، أو بتكسير البيت عروضياً، ومرة أخطأ أحدهم في نقل آية كريمـة، أما الجديد الذي فاجأني فهو نقل مثل عربي قديم نقلاً خاطئاً. أذكر أن المثل “الصيف ضيّعَت اللبن” ويروى “في الصيف ضيَّـعْـتِ اللبن” فـوجدت أحدهـم يقول “الشـتاء ضيعت اللبن” ولم يورده بحيث نفهم من قوله أنه يهدف إلى عقد مقارنة ساخرة.

أصل المثل أن امرأة اسمها دختنوس كانت زوجة لرجل يدعى عمرو، وكان شيخاً فانياً، فكرهتـه، وطلبت أن يطلقهـا، ثم تـزوجت فـتى جميـل الوجه، وحلت بهم سـنوات جدب،  فأرسلت إلى عمرو تطلب اللبن، فقال عمرو: في الصيف ضيعتِ اللبن، فصار قوله مثلاً يُضـرب لمن يطلـب شـيئاً فـوّته عـلى نفسـه، وخص الصيف لأن طلبهـا الطلاق كان في الصيف، لكن المرأة لم تسـكت، فـضربت على كتف زوجهـا الشـاب وقالـت: هـذا ومذقه خير، تعني أن هذا الزوج الشاب مع عدم اللبن خير من عمرو، فذهب قولها مثلاً أيضاً، والمَذْق: اللبن الممزوج بالماء.

·        أشرت كثيراً إلى أدعياء الثقافة ولا سيما الذين يظنون إيراد الكلمات الإنجليزية وغيرهـا دليلاً على ثـقافتهم. وهذا خطـأ قد نغـفره لصغار الكتاب والمبتدئـين، ولا يمكن أن نغـفره للكتاب المشهورين الذين يكتبون في أوسع الصحف انتشاراً، كمحلل سياسي قرأت له قبل مدة “ثمة تزامن بين هذه الوعود الديماغوجية وشيخوخة الإستبلشمنت” حسناً، ربما صار معنى الديماغوجية مفهوماً لدى الجميع، وإن لم أكن على ثـقة من ذلك، ولم تـتكرم عـلينا مجامع اللغـة العربـية التي تكلسـت وتحجـرت ونامت نوم أهـل الكهف باشـتـقاق كلمـة أو نحتها، أو بترجـمة الكلمة بكلمة عربية مفهومة، أما “الإسـتبلشمنت” فـموضوع آخر، ولا تـذكرنا إلا بالذيـن يحشـرون الكلمات الأجنبـية في أحاديثهم وكتاباتهم، ظناً منهـم أن هـذا يعطيهم قوة في الإقناع، ويعرف الجميع أن إستبليشمنت Establishment تعني مؤسسة فلماذا يتفاصح هذا الكاتب ويتذاكى ويدخل “أل” التعريف على كلمة إنجليزية؟

·       قلت كثيـراً إن العتـب على قـدر العلم والمعرفة، وإنني أعتب على الكبار أكثر مما أعـتب على الصغار، بل إنني أحمّل الكبار مسؤولية أخرى، هي أنهم قدوة للمبتدئين يقلدونهم في كل شـيء، حتى في أخطائهـم اللغـوية. ممـا تعـلمناه في المرحلـة الإعـدادية أو في نهايـة الابتدائيـة أن نقـول: أجاب “عـن” السـؤال، وردّ “عـلى” السـؤال أو الاسـتـفـسـار، فكيـف سـأعـتب بعد اليوم على كاتب مبتدئ، إذا كانت كاتبة أديبة روائية صحفية وكاتبة مقالات منذ أكثر من نصف قرن تكتب “أجاب على معظم الأسئلة”.

·       نرفض التقعر وهو الإتيان بكلمات صعبة القراءة والفهم، وقد قال الأقدمون “التقعر بين العامة، كاللحن بين الخاصة” فكما لا يجوز أن تخطئ في الإعراب بين علماء اللغة والمختصين، لا يجوز أن تأتي بين العامة بكلمات يصعب فهمها وقراءتها، وقد أفرد إبن الجوزي فصلاً من كتابه الجميل “أخبار الحمقى والمغفلين” لأخبار المتقعرين. وقي زمننا هذا نرفض أن يتضمن المقال الصحفي (وهو موجّه إلى العامة) كلمات مغرقة في معجميتها، فإذا كان الكاتب يعرفها قراءة وفهماً، فإننا لا نضمن أن يعرفها القراء.   

قرأت لأحدهـم مقالة قال فيها “وقد قلب له ظهـر المجـن” وأنا واثـق من أن معـظم القـراء (حتى المتعلمين منهم) سـيجدون صعـوبة في قراءة الكلمة الأخيرة “المجن” فما بالك بفهم العبارة كلها؟ هـذا القـول بالمناسـبة مثـل عربي قديم، والمِجَـنّ هو التُرس، ويعـني المثـل: تغيـر عـليه، وسـاء رأيه فيه، ويُضرب لمن كان لصاحبه على مودّة ورعاية، ثم تغير عن عهده. قال أبو العتاهية (وقيل إن البيت للإمام علي) وهو يحكي عن الدنيا:

فلو أني صدقت الزهد فيها       قلبت لأهـلها ظهر المجَـنّْ

وقال ابن قيّم الجوزية:

وقـلبتُـمُ ظهرَالمِجَنِّ له وأجْـ     ـلبْتُمْ عـليه بعسكرِ الشيطانِ

·       قد لا يكون الخطأ نحوياً أو صرفياً، ولكنه في التركيب والصياغة. كتبت إحدى الكاتبات “أن تستهل الكلام وأنت في مأمنك” والكاتبة من الأسماء التي نبغت فجأة في السنوات الخمس الأخيرة، كالسياسيين الذين لم نسمع لهم صوتاً قبل 2011 وصاروا الآن قادة يقررون مصائرنا. واضح أن الكاتبة أرادت القول “أن تستسهل” وسنلتمس لها عذراً أنها نسيت السين الثانية أثناء الكتابة، ألم يكن عليها مراجعة مقالها قبل إرساله إلى الصحيفة؟ والأفضل طبعاً أن تجعل أحداً آخر يقرؤه، فمن الصعب أن يكتشف المرء خطأه بنفسه. وقد ذكرت بعض المعاجم القديمة فعل “استسهل” الأمر بمعنى عدّه سهلاً.

وفي المقالة نفسها قالت الكاتبة وكانت تتحدث عن سورية “كل من يعيش في مناطق النظام هو مؤيّد له، وكل من يعيش في المناطق الأخرى هو مؤيد للثورة” وسؤالي للكاتبة: ما لزوم الضمير “هو” في الجملتين؟ جربوا حذف الضمير من الجملتين، ثم اقرؤوهما، ألم تجدوا الجملة أكثر انسياباً وأسهل قراءة؟

·       مرة أخرى – ولا أظنها أخيرة – ألفت الانتباه إلى ضرورة جزم الفعل الواقع في جواب الأمر والنهي والحض والطلب، وأشهر الأقوال “دعني أقول” وتتردد هذه الصيغة كثيراً في الأحاديث والكتابات، وآخرها مقالة لكاتب كبير من أفضل كتاب العمود السياسي، والصحيح طبعاً “دعني أقل”.


الإمام العادل والإمام الظالم

نسبهم وندعو عليهم بالويل والثبور على المنابر، ولكن ما في حياتنا كله من إنتاجهم، ولولاهم لفتكت بنا الأمراض، وعدنا إلى مرحلة ما قبل الزراعة، بل ربما هلكنا جوعاً. ويهرع الناس إلى بلادهم طمعاً في تعليم جيد وحياة صحيحة، وقبل هذا طمعاَ بجو الحرية والديموقراطية الذي يحفظ كرامة الإنسان.

من أفضل عند الـلـه هؤلاء “الكفار” أم الذين يطبقون شعائر الإسلام دون الاهتمام بجوهره؟ تنسب إلى الإمام ابن قيم الجوزية مقولة رائعة تدل على خلاصة التعمق في أمور الحكم والسلطة “إذا خيرت بين إمام كافر عادل وإمام مسلم ظالم، فإنني أختار الإمام العادل الكافر، لأن عدله لي وكفره عليه، أما الآخر فإسلامه له وظلمه علي” وابن القيم تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية وصديقه وزميله في السجن وشارحه الأفضل، ولم يكن يخرج عن فكره واجتهاداته، فهل أخذ هذه المقولة عن ابن تيمية؟

الفكرة مأخوذة من شيخ الإسلام ابن تيمية، ونقل عنه القول: “حاكم كافر عادل خير عند الـلـه من حاكم مسلم ظالم” ونقلت صياغة أخرى للنص:” طاعة حاكم كافر عادل خير عند الـلـه من طاعة حاكم مسلم ظالم. قال: وأمور الناس إنما تستقيم في الدنيا مع العدل الذي قد يكون فيه الاشتراك في بعض أنواع الإثم، أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق، وإن لم تشترك في إثم. ولهذا قيل: ” الـلـه ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة ولو كانت مؤمنة”. وليس في قول الإمامين شطط، فالظلم من أشد الكبائر عند الـلـه تعالى، وجاء في الحديث القدسي فيما روى رسول الـلـه صلى الـلـه عليه وسلم “يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي فلا تظالموا”.

يرفع بعض المغامرين الآن راية الإسلام زوراً، وينهبون ويسفكون دماء المسلمين، ويدعي كثير من حكام المسلمين تمسكهم بشرع الـلـه، بينما تقوم حكوماتهم على ظلم العباد ” إن الـلـه يأمر بالعدل والإحسان والتقوى” وقد نطرح سؤالاً يستنكره بعض الناس: أيهما أعمق إسلاماً وأحسن تطبيقاً لروح الإسلام، دولة تدعي أنها مسلمة، لكنها تظلم شعبها وتنشر الفساد في الأرض، ولا يهمها أن تردع الباطل، أم دولة غير مسلمة لكنها تطبق جوهر الإسلام، فتقيم العدل بين الناس وتحافظ على مكارم الأخلاق؟ وقد يقودنا هذا إلى سؤال أرجو أن يتفضل العلماء بالجواب: هل المهم القيام بالفرائض دون أن تغير العبادات سلوك الناس ومنهم الحكام؟ ويعيدنا هذا إلى مقولة الإمام محمد عبده الخالدة: “رأيت في أوروبا إسلاماً دون مسلمـين، وفي بلادي مسلمـين دون إســلام”


لمن ننحني احتراماً؟

في نهاية القرن العشرين جرت استفتاءات واستبيانات رأي واستطلاعات حول الأهم في ذلك القرن، وكان بعض تلك الاسـتفتاءات طريفـاً، على الأقل حسب الذين توجه إليهم الاسـتطلاع. سـئلت النسـاء عـن أهـم الاختراعات، وأجابت الأغـلبية بأنه “الغسالة الكهـربائيـة” (اخترعها الأمريكي ألفا فيشر عام 1910). والنسـاء على حـق، وإن كان اختيارهـن محصـوراً بنفعيـة “فئوية”. فعملية غسيل الثياب المضنية كانت عـبر القرون من أعـمال المرأة، ولذلـك لم تختـر النساء الموبايـل أو التلفزيون أو السـينما أو البنسـلين أو الغواصـة، بل اختـرن ما وفـَّر الراحة لملايين النساء.

ومنذ سنوات طويلة تلح علي هذه الفكرة: ما الأكثر إفادة ونفعاً للبشرية بين آلاف الاختراعات والابتكارات والاكتشـافات التي قدمهـا العلماء؟ وبالتالي: ما الأكثر أهـمية بين هذه الإبداعات؟ ومن الذي يسـتحق منا التـقدير والاحترام من بين العلمـاء؟ وأنطلق في هذا من حديث رسـول الـلـه صلى الـلـه عـليه وسـلم “أحب الناس إلى الـلـه أنفـعهـم لعبـاده” وروي الحديث “أنـفعهـم للناس”. ألا يلفـت الانتبـاه قوله صلى الـلـه عليه وسـلم “أنفـعهـم للناس”؟ ونـتذكر أن الخطاب القـرآني “أيهـا الناس” يعـني دائمـاً النـاس جميعاً، وليس محصـوراً بالمسـلمين، أو حتى بمـن آمنوا بالـلـه ويذكرنا هذا بحديث رائع آخر نحن أبعد الناس عن تطبيقه “من غش فليس منا” لم يقل صلى الـلـه عليه وسلم “من غشنا” بل جعلها مطلقة.

ولذلك نجد عالم الفيزياء مايكل هارت الذي صنف المائة الأكثر تأثيراً في البشرية – حسب مقاييس رياضية وفيزيائية صارمة – قد وضع إسحاق نيوتن في المرتبة الثانية بعد الرسول صلى الـلـه عليه وسـلم (صدر الكتاب عام 1978) ويؤكد في المقـدمة أنه لا يصـدر أحكاماً أخلاقية ولذلك وضع في قائمته أشخاصاً كان لهم نفوذ مع أنهم كانوا أشراراً وعديمي الشفقة

(وكان عليه القول: مجرمين) مثل هتلر.

لا ينسى أحد توماس إديسون، ويكـفيـه أنـه اخـترع المصبـاح الكهـربائي، ولا ألكسندر فليمنج مكتـشـف البنسـلين، ولا كاريـه مخـترع الثلاجة، ولا  وليـم رونـتجن  مكتشـف أشـعة X، ولا جراهام بـِل مخترع التلفـون، ولا مخترع تكييف الهواء، ولا مخـترع أول ماكينة خياطة، ولا مبـتكر المكنسـة الكهربائيـة ومبتكر المكواة الكهربائيـة، ولا مبتـكر تجفـيف الحليـب وتعليـب الخضار، بل حتى مختـرع القـلم الجاف ومشـبك الورق والمـمحاة المطاطية، وأشياء صغيرة كثيرة، ولكن أحداً لا يذكر مكسيم مخترع المدفع الرشاش، ولا  مخترع القنبلة الذرية أو مخترع القنبلة الهيدروجينية أو قنبلة النيترون، ولا مكتشف غاز السارين. 

تصـوروا أن يوحنـا جوتـنبرج لم يخترع الطباعة، وقبله بقرون لم يخترع تسـاي لون الورق، ولم يخترع ماركوني الراديو، وغيرهم كثير، كيف كانت حياتنا ستكون؟ لأمثال هؤلاء ينحني العالم احتراماً.  


فارس آخر يترجل

فقدنا حتى القدرة على البكاء .. جاءنا نعي الصديق طلعت الشايب فذهلنا .. ألن نسـتمع إلى قفشاته الذكية، ومناقشاته الصاخبة بحق، وتحليلاته العميقة، ومشاركاته الغزيرة في ميادين الثقافة؟ خسـرنا وخسـرت الثقافة، وهي تخسر باستمرار. من أعزي؟ لم أجد من أعزيه إلا نفسي وبعض الأصدقاء.

 

قـالـوا: تـرجَّـل فارس، قـلـتُ: انـدُبـوا    خـســرَ الـبـيــان فـتىً وأظـلـمَ مـلـعـبُ

عـاشــرتــُـه، وخـبـِرتـُـه، وعـرَفـتــُـه    صـقراً يـضيـقُ بـه الفـضــاءُ الأرحـبُ

مُــتــدَفــِّـقٌ كالـســيـلِ حُـلـوُ حـديــثـِـه    فـكأنـّمــا في الحـرفِ عـطـرٌ يُـسـكــَبُ

والـعــقـْــلُ يجـذُبُـه بعـيـداً عـن هـوى    والعـقــلُ فـي كلِّ الـمـواقـــفِ يـغـلـِــبُ

والظـُرفُ في الألفـاظ بعـضُ صـفـاته    لـيـســت مـنــاقــبـُـه غـُــثـــاءً يَـذهـَـبُ

يـشـــتـاق شِـــعـراً صـادحــاً ويـهـُـزُّه    لـحــنٌ تـردَّد في الـمـســامـع مُـطــربُ

عـرَف الأعاجـمَ في عُـيــونِ بـيـانـهـم    لـكنـّه مـن نـبــــعِ “يـعــربَ” يـشــربُ

تـلـقــاه في الـسُــمّـارِ نـجـمَ فـصـاحَـةٍ     مُــتـــمــيـــِّـزٌ في قــولــِـه ومُـجـَــرِّبُ

خـبـِرَ الـحـيــاة بـحُـلـْـوِهـا وبـمُــرّهــا    لــم ألــْـقــَــه إلا لــحــــقٍّ يـغـــضـــبُ

يـكـفــيـــه مـن خِــلٍّ وفــــاءٌ صـــادقٌ    ويُـثـيــرُ مَـكـمَـنَ حِـنـقـــِه المُـتـَـقـلـِّـبُ

يـأبـى الـخِــداع بـكـبــريـــاءِ مُـقـاتـِـلٍ    ويـشـَـعُّ صِــدْقاً فـي حــروفٍ تُـكـتـَـبُ

بـدرُ الـمجـالـس إن يـكُنْ في صُـحـبـة    بــمــحــبــَّـــة، لـكـــنــَّـــه لا يــكــْـذِبُ

تـلـقى الـصِـحـابَ كأيـكــةٍ حَـفــُّـوا بـه    وحـديــثـــُه كالـشـَـهـْـدِ أو هـو أعْــذبُ

حَــزِن الــرِفــاقُ لـفـَـقـْـدِه وتـألــَّـمــوا     خفتَ الضياءُ وشمسُ “طلعتَ” تغرُبُ


لؤلؤة كزهرة .. أو زهرة كاللؤلؤة

لا تـعـجـبـوا .. إني لاُكبـِرُ تـُـربَـهـا وسـمـاءَهـا

والـبـحـرَ يـحكي مـَوجُـه إخـلاصَـهـا ووفـاءَهـا

قـطـرٌ هـنـا .. شـمَـمٌ يُعـانـقُ مـجـدَهـا وإبـاءَهـا

أرضٌ مـن الإعـجـازِ تـنسُــجُ ثـوبَـهـا ورداءَهـا

وأمـيــرُهــا يــرعـى بـهـِـمـَّـة فـارسٍ أبـنـاءَهـا

لا تعـجـبـوا .. القـلبُ يرقـصُ عاشـقـاً أفـياءَهـا

·        

قطـرُ العـلا.. إني عـشِـقتُ وما اُطـيـقُ فـراقـَها

إنـّـا كـتـبــنــا بـالعـزيــمـَـةِ والـدِّمــا مـيـثـاقـَهــا

قـطـرٌ كلؤلؤةٍ سَـمَـت، تهـوى الـنجـومُ عـناقـَهـا

هيَ زهـرةٌ ضـجَّ العـبـيــرُ فـفـتــَّحـت أوراقـَهـا

هيَ نـخـلــةٌ عـربـيـــةٌ مَـلأ الـسّــنـا أحْـداقــَـهـا

وهيَ الهـوى، كم ذا يُـكابـِدُ عـاشــقٌ أشــواقـَهـا

·        

قـطــرٌ تـُـلـوِّنُ بـالإبـــاءِ نـخـيـلـَهــا ورمـالـَهـــا

رسَمَـت على “سِـيفِ” الخليـجِ بهاءَها وجلالـَهـا

وهيَ الأبــيـَّـة لا تـُـضـَـيـِّـعُ عـمَّـهـا أو خـالـَهــا

وتـمُــدُّ “كـفـّـاً” حُــرَّةً لـلـمُــرتـجـيــن نـوالـَـهــا

وهـي الـرجـا، منـذ الأمـيـرُ بكلِّ صـِدقٍ قـالـَهـا

قـطـرُ العُـلا مَـنـحَـت لـكلِّ الآمـنـيـن ظِـلالـَـهـا

·        

هـي نـخــوةٌ مـا بــدَّلـَـت يـومَ الإبــاءِ كلامـَـهــا

شُـدَّتْ إلى أرضِ العُروبةِ وارْتضَـت إسـلامَهـا

قـهـَـرَت بـكلِّ عـزيــمــةٍ وصـلابــةٍ ظـُلّامَـهــا

مِـن غابـِرٍ، وبـكلِّ فـخـْـرٍ حـقـَّـقـَـتْ أحْـلامَـهــا

لا تـسـتـكيـنُ لـمُـبـغـِضٍ قـد شــانـَهـا أو لامَـهـا

وأمـيــرُهـا جـعَـلَ الـثـريـّـا عـانـقـتْ أعْـلامَـهـا

·        

 

وتـمـيــمُ مـجْـدٍ قـائـدٌ كـيـمـا تـُحـقـِّـقُ نـصـرَهـا

لم تـنْسَ إرثَ جُـدودِهـا، لكنْ تـُسابـقُ عَـصرَها

نـبـني لـهـا عِـزّاً غـدا بـيـن الـبَـريـَّـةِ فـخـْـرَهـا

تُعـطي لـكلِّ العـالـَمـيـن عَـطــاءَ حـبٍّ نـورَهــا

يـا سـيِّـدَ الـفُـرسـانِ أطـْلـَعَ بـعـدَ عَـتـْمٍ فـجْـرَهـا

وأفـاضَ مِـن بـحْـرٍ على أبْـناءِ شـعْـبٍ خـيـرَهـا

 


مقتطفات صحفية

ليس الأمر أنني أتصيد أخطاء الآخـرين، فما هـذا والـلـه من أربي، ولا يمتعني، وأتمنى صادقـاً أن أقـرأ صحيـفة واحدة دون أن أجد فيها خطاً يصفع العيـن بشـدة، وقـد أتجاوز عن الأخطاء المستـترة، فلقـد أفسـد علي هـذا متعة القـراءة، ولماذا القـراءة إن كنـت لا تستمتع بما تقرأ؟

·       كررنا كثيراً أن من شروط الكتابة أن تتوخى الدقة فيما تنقل. نقلت كاتبة مشهورة أن علي بن الجهم نظم قصيدة مدح وقالت: “قيل المتوكل وقيل الرشيد” ما معنى هذا الهراء؟ هل نظم القصيدة في مدح هذا أم ذاك؟ ومن المعروف أن ابن الجهم مدح المتوكل، وهما بيتان مفردان وليسا قصيدة، وقد أخطأت الكاتبة في نقل البيتين، فقد قال ابن الجهم:

أنت كالكلب في حفاظك للود، وقالت الكاتبة: في حفظك، وهذا يكسر الوزن، وقالت: من كبار الدلاء، وهذا يكسر الوزن أيضاً، وهي: من كبار الدلا. أما الطامة الكبرى فأنها قالت إن ابن الجهم بعد أن تنعم عاد فقال: يا من حوى ورد الرياض بخده، وهذا خطأ شنيع، فقد عاد الشاعر وأنشد قصيدته البديعة:

عيون المها بين الرصافة والجسر     جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري

أما “يا من حوى” فموشح يرجح أنه لابن اللبانة الداني الأندلسي.

·       دعـونا كثيراً إلى الابتعاد عن التقعـر وعدم اللجوء إلى الكلمات الخارجة من بطـون المعاجم القديمة، والقاعـدة ما قاله عـلماء اللغة قديماً “التـقعر بين العامة كالـلحن بين الخاصة” اللحن الخطأ في النحو والصرف وقراء الصحف من العامة. وجدت كاتباً في “إيـلاف” يدافـع عـن الماركسـية ويذمّ الماركسـيـين، وأقـتـبس منه جـملة طويلـة “الماركسية ليست عـقـيدة، ومـن يحولهـا إلى عـقيدة – بله إلى عـقيدة جامـدة – فإنه يخرج من دائـرة الماركسـية”، ونتجاوز خطأه في الربط بكلمة “فـإنه” فلا حاجة لها  بل كان يجب أن يورد جواب الشـرط “يخرج” مباشـرة، ونأتي إلى كلمة “بله” التي نبشها من بطون المعاجم ولم أقرأها عند غيره من الكتاب حديثاً، وأود أن أساله: كم من القراء يستطيعون قراءتها بالشكل الصحيح؟

 لنقرأ الكلمة قراءة صحيحة يجب ضبطها بالحركات “بَـلـْهَقال صلى الله عليه وسلم ” أعدَدتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، بَلـْهَ ما اطلعتم عليه” قالوا: بله من أسماء الأفعال بمعنى دعْ أو اتركْ، ويكون معنى قول الرسول الأعظم: دعوا أو اتركوا ما تعرفون. والأغلب أنها مبنية على الفتح أي “بَلـْهَ” دائماً، واختلفوا في إعراب ما يأتي بعدها.

من هذا نستنتج أن إيراد كلمة “بله” في الجملة التي اقتبستها من الكاتب الماركسي كان خطأ، وقد حشرها حشراً حيث لا لزوم لها إلا أن يظهر لنا أنه ضليع باللغة العربية، وكان يمكن له أن يقول: بل إلى عقيدة جامدة، دون هذا التقعر.

·                قلت كثيراً إن العتب على الكبار أكبر من العتب على المبتدئين، لأن هؤلاء الكبار قدوة، وهنا ينطبق عليهم الحديث الشريف “من استن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من اتبعها إلى يوم القيامة، لا ينقص هذا من أوزارهم شيئاً” وكتبت هذا إلى بعضهم ممن توفرت عناوينهم الإلكترونية (إيميلاتهم). وأخطاؤهم متعددة منها: قلب الجملة الفعلية إلى جملة اسمية، ومن النادر أن أقرأ مقالة سياسية تراعي هذا. ومنها أنهم ينقلون أقوالاً أو شعراً نقلاً خاطئاً، طبعاً دون أن ننسى أنهم لا يتعبون أنفسهم بذكر اسم الشاعر، بل إن أحدهم نقل آية كريمة فأخطأ.

أحد أشهر الكتاب الصحفيين تحدث عن نكبة بيروت عام 1912 عندما ضرب الأسطول الإيطالي بيروت انتقاماً من الأتراك، وقال إن حافظ إبراهيم صاغ تمثيلية شعرية تقول فيها زوجة المقاتل:

ولو وقاك وقيٌّ / بمهجة لوقيت

إن عشتَ أو متَّ إني / كما نَويت بنيت

الخطأ هنا أن اسم الفاعل من وقى واقٍ (واقي) ولم ترد وقيّ، والأصل في القصيدة وفيٌّ. والخطأ في البيت الثاني أن الأصل: كما نويتَ نويتُ، وأي قارئ شعر يتوقع هذا، ولا معنى لفعل بنيت، إنما هو خطأ الكاتب الذي نقل. ونقل عن شوقي أنه قال في قصيدته:

بيروت يا راح النزيل وانْسِه / يمضي الزمان عليّ لا أسلوك

والكسرة تحت السين من عنده كما نشرها في مقاله، ويدرك أي طالب في الثانوية أن الكلمة يجب أن تكون وأنسَه (والهمزة مضمومة) والإعراب ببساطة أنّ “راحَ” منادى مضاف، وهي بالتالي منصوبة بالفتحة، وأن “أنسَه” معطوفة على راح، هل هي معجزة لغوية تحتاج إلى الأصمعي والمعري وسيبويه؟

·             سخر الكتاب والصحفيون من الأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كي مون لأنه كثيراً ما قال إنه يشعر بالقلق لما يحدث. والأمين العام للأمم المتحدة لا حول له ولا قوة، أما الفعل فلمجلس الأمن الدولي، وإن شئتم الدقة للخمسة الكبار الذين يملكون حق “الفيتو”، وعندما تجرأ بطرس غالي على رفض أوامر الولايات المتحدة فقد التجديد له. إحدى صحفنا المحلية رأت أن تطلق وصفاً على بان كي مون فقالت إنه “قلوق” ولا ندري من أين جاء الصحفي الهمام بهذه الصيغة. ففي جميع المعاجم: قلِق قلقاً فهو قلِقٌ ومقلاق، ولا نستخدم الثانية لذا تبدو غريبة، والطريف في أمر القلق أننا نقول: قلِق الشيء قلـَقاً: وهو ألا يستقر في مكان واحد، فالقلق الاضطراب وليس الهم النفسي.

·       ملاحظة سريعة: كم هو مؤلم أن تقرأ لكاتب من أشهر الكتاب الصحفيين وفاز قبل بضع سنوات بجائزة نادي دبي للصحافة قوله ” هل لأن ما قاله الشاعر العربي لبيد عن ظلم ذوي القربى، باعتباره الأشد مضاضة ومرارة هو السبب؟” وهو يشير إلى الشاعر المخضرم لبيد بن ربيعة، ولكن الكاتب المحترم لم يبحث – إذا كان لا يعرف – ليتأكد أن قائل هذا البيت الذي صار مثلاً أصغر أصحاب المعلقات عمراً وقد قتل وهو ابن خمس وعشرين سنة طرَفة بن العبد البكري:

     وَظلمُ ذوي القُربى أشدُّ مضاضةً       على المرءِ من وقـْعِ الحُسامِ المُهنَّدِ

    وروي البيت: على النفس، بدلاً من على المرء

·       قلت كثيراً إنني أستغرب من بعض الكتاب أن يخترعوا كلمات لا معنى لها، أو أن ينبشوا في بطون المعاجم ليأتوا بكلمات تنفر منها العين والأذن، كتب أحدهم ويزين اسمه بلقب دكتور “من آكدِ الأمور، وأَبْدَهِ الحقائق الموضوعية” وواضح أن الكلمة الأولى اسم تفضيل من فعل “أكـّد” وقالت العرب: أكـّده تأكيداً، أي وكـَّده، ورأوا أن وكده أفصح من أكده، والعهد الأكيد: الوثيق المحكم. أما “أبده” فهي من البديهة والبداهة، وهما أول كل شيء وما يفجأ منه، وبدهه الأمر: فاجأه وباغته. ألم يكن باستطاعة هذا الكاتب النحرير أن يصوغ الجملة لتعطينا المعنى الذي رمى إليه دون هذه الركاكة؟

·       وقال دكتور آخر: دور أفعل في الحرب للوكلاء المحليين، يا للركاكة!


هذا أوان العمل

“كلنا تميـم” شـعار جميـل انطلق على الألسـنة، وعـمّ أرجاء البـلاد، ليعـبر عـن حب الشـعب لقائده، وتفانيه في السير وراءه إلى ما فيه عزة هذا الوطن وخيره وتقدمه، وأستعير قول أحد الصحابة لرسول الـله صلى الـلـه عليه وسلم ” يا رسول الـله، لا نقول ما قالت بنو إسرائيل، إذهـب فـقاتـل أنت وربك، إنا ههنا قـاعـدون، والـلـه لو اسـتعـرضت بنـا هـذا البحر فـخضته لخضناه معك”

“مع الوطن، خلف الأمير” شـعار جميل آخر، ولكننا لسـنا “مع” الوطن، إننا في قلب الوطن، والوطـن في قـلوبنا، وأسـتعـير من الشـاعـر اللبنـاني المهجـري جـبران خلـيـل جبران جزءاً من قصيدته “المحبة” وتبدو شـطحة صوفية “إذا أحببت فلا تقل ألـلـه في قلبي، بل قل أنا في قلب الـلـه”. نحن الوطن، والوطن يملؤنا. ومهما كثرت طرق التعبير عن التلاحم بين الشعب والقائـد فإنها تـبقى قـليلة. يجب أن نكررها لأنفـسـنا ولأولادنا، بكل وسيلة ممكنة، كما نردد الشهادتين مرات ومرات كل يوم لنؤكد أننا مسلمون، ولا نكتفي بأن نقولها في الصلاة أو في تلبية الأذان.

هذا رائع ولكنه لا يكفي، لا نريد أن نكتفي بالكلام، بل يجب أن ننتقل إلى الفعل ، إلى المزيد من الفعل .. إلى تكثيف الأفعال. يجب أن يشـعر كل منا بأنه مقاتـل في حرب فرضت عـليه، وأن عليه أن يلبي نـداء الوطن. لا قيمة للأقوال إذا لم تـترجم إلى أفعال، إلى مزيـد من الجـد والعمل والإنتاج كلٌّ في ميدانه، إنها محنة، وفي المحن تبرز معادن المواطنين والمواطنات،  لا يجوز التراخي والكسـل، بل يجب بذل المزيد المزيد من العمل. تضايق الناس من غلاء بعض المنتجات بسـبب الحصار، ألا يسـتطيع التجار – تعبيـراً عن هذا – أن يخفـفوا هـذا الضيق قليلاً؟

في عهد الخليفة أبي بكر الصديق – رضي الـلـه عنه – أصاب الناس عسر، ثم جاءت قافـلة جمال لعثمان بن عفّان – رضي الله عنه – محملة سمناً وزيتاً ودقيقاً، وأعطاه التجار خمسـة دراهـم ربحاً عـلى كل درهـم فـقال: أعـطاني غـيركم زيادة. إن الـلـه قـد أعطاني بكل درهـم عشـرة، الحسـنة بعـشـرة أمثالها، فهل عندكم زيادة؟ إني أشـهـِد الـلـه إني جعلت ما جاءت به هذه الجمال صدقة للمسلمين.

أين أهـل الزراعة؟ لماذا تكاسـلوا عـن تزويد السـوق بالمنتجـات المحلية حتى بإقامـة  بيوت بلاســتيكية لإنتاح أشـياء تبدو لا قـيمة لهـا في الأحـوال العاديـة، لكنها عظيـمة القـيمـة عـند فقدها، كالماء الذي لا نرى له قيمة، وهو أعظم الأشياء قيمة عند فقده.

نحن في حرب، وفي الحروب لا مجال للتراخي، هذا أوان الشدّ فاشتدّي زِيَم. (الزِيَم: الإبل)


عيد بأية حال عدت

لا أظن عيداً مرَّ على هذه الأمة وهي في حال أسـوأ مما هي فيه الآن. ماذا جرى لهذه الأمة؟ أين عـقلاؤها وحكماؤهـا؟ بل أين عـقـلها؟ أما أن يـدَّعي أحـد أن الأمـور عـلى ما يرام، فهـذه مكابرة، وهذا هو الغباء المطلق أو السفاهة والحماقة المطلقة التي أعيت الأطباء. هل يعقل أن يعرف المريض الدواء الذي يراه أمامه ثم يرفضه؟ لا يفعل هذا إلا الأحمق والمجنون والطفل الصغير. هل يعقل أن يعرف تائه طريق الخروج من المفازة التي ضل فيها، ثم يرفض السير في هـذا الطريق؟ إذا استعرض مراقب شـريط الأحداث منذ خرج الاسـتعمار من ديارنا، يجد كل يوم أسوأ من سابقه، حتى صار بعضنا يتحسر على أيام الاستعمار، وألتمس لهم العذر في ذلك، وعلى أيام المستبدين الطغاة، فقد كانوا ينعمون بالأمن على الأقل.

العيد يعني الفرح، ولكن للفرح مقوماته وأسبابه، لا أعتقد أن الفرح يزور الجائعين المشردين الهاربين من الموت، أو من اقتلعوا من بيوتهم ورموهم بعيداً. ولا أعتقد أن الفرح يزور أسرة فقدت معيلها أو ابناً لها، أو أباً فقد زوجته وأولاده. من الصعب أن يفرح اليتيم والثكلى، فكيف إذا كانا هاربين بحياتيهما، مشـردين هنا وهناك، يتقاذفهم الناس بغضب وازدراء وعنصريـة، فكأنهم اختاروا لأنفسهم هذا المصير، من أين يأتي الفرح إلى هذه الأمة؟

العيد يعني أن يجـتمع الأهـل والأحباب والأصدقاء على موائد قوامها الحب قـبل الطعام، فهل يجتمـع الناس في العـراق وسـورية واليمن وليبـيا؟ والعـرب أمة واحدة، وهكذا وصفهـا الـلـه سبحانه وتعالى “إن هذه أمتكم أمة واحدة” ولكننا نبدو مصرين على مخالفة الوصف الإلهي، الأمة الواحدة كالأسرة الواحدة “والمؤمنون كالجسـد الواحد إذا اشـتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى” فهل نحن ملتزمون بهذا الأمر النبوي؟ قد أستغرب أن يتبادل بعض قادة الأمة التهاني بحلول العيد. حتى على مستوى مجلس التعاون الخليجي، وكان منذ 1981 أملاً بأن يكون مثـلاً يحتذى في لمّ شـتات العرب وتوحيـد كلمتهم، لم تعد الأمور كما كانت، ولم تكن يوماً على مستوى طموحات الشعوب وتطلعاتها وآمالها.

لكنني سأفرح. هل أناقض نفسي؟ كلا، سـأفرح لأن الخير في الأمة إلى يوم القيامة، سـأفرح متعلقاً بأهداب الأمل، والأمل “عشبة تنبت حتى بين القبور” كما قال هيجو. سأفرح لأنني لا أقـنط من رحـمة الـلـه، والـلـه رحـمن رحيـم، وهـو سـبحانه أحنى عـليـنا مـن أم رؤوم على أولادها. سأفرح لأني أحلم بمستقبل يأتي كالفجر بعد الظلام، قد لا أشهده، ولكني كلي أمل أن يشهده أولادي وأحفادي، ولا أملك إلا الدعاء.


مقتطفات صحفية

·       أكرر دائماً العتب على قدر الخبرة والمعرفة (قياساً على : العتب على قدر المحبة) وأكرر دائماً أيضاً أن إيراد بيت من الشعر كشاهد على القول يحتاج من الكاتب أمرين اثنبن، أولاً: أن يذكر اسم الشاعر، وثانياً: أن يورد البيت صحيحاً دون خطأ نحوي أو تركيبي أو عروضي.

قال الكاتب الذي أحب مقالاته وسميته “ذا اللغة الرشيقة” وهو كاتب مخضرم ذا خبرة صحفية طويلة “وكما غنت فيروز: ربي أعز الناس كلهم / سوداً أكانوا أم بيضا” وقد ارتكب هنا خطأين فادحين، فلم يذكر الشاعر، وشوه البيت تشويهاً فظيعاً يمكن أن يقاضيه الشاعر عليه.

البيت من قصيدة “غنيت مكة” التي غنتها فيروز بلحن الأخوين رحباني، والقصيدة من شعر “سعيد عقل” وقرأت يومها أنها من شعر شاعر متأثر بسعيد عقل ونسيت اسمه، وأذكر أنه “الرديني” أما صياغة البيت فتدل على تمكن كبير من اللغة والتركيب الشعري تقديماً وتأخيرأ:

وأعـزَّ ربّي النـاس كلـَّهُـمُ

بيضاً  فلا فرَّقت أو سودا

اقرؤوا البيت كما أوردته، وارجعوا إلى البيت كما جاء في مقالة الصحفي ولاحظوا الفرق بين الشعر واللاشعر.

·       كاتب آخر أشهر من الكاتب ذي اللغة الرشيقة يحب أن يعرض بعض الأبيات الشعرية، وفي مقالة له عرض أبياتاً لنصر بن سيار الذي كان والياً على خراسان ايام مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين، وقد أرسلها إلى الخليفة محذراً من العباسيين، والأبيات مثبتة في كثير من المصادر، وقد أورد الكاتب بعضها محرفاً، قال مثلاً:

     فإن النار بالعود تُذكى/ وإن الحرب أولها كلام

    وتلاحظون أن في البيت خللاً عروضياً لأن أصله:

    فإن النار بالعودين تذكى     وإن الحرب أولها كلام

    ونقل أيضاً:

    فإن لم يطفها عقلاء قوم      يكون وقودها جثث وهام

    والخطأ هنا في الشطر الثاني، والصحيح أن يكون “جثثاً وهاما” لأنها خبر يكون،        

    لكن الأصل:

فإن لم يطفه عقلاء قوم     فإن وقوده جثث وهام

والضمير في “يطفه” وفي “وقوده” عائد على الوميض. وقال أيضاً:

 فإن يك أصبحوا وذروا نياما    فقل قوموا فقد حان القيام

وتلاحظون ارتباك الجملة لأن الأصل:

فإن يكُ قومنا أمسوا رقوداً      فقل هبوا فقد حان القيام

     وقال أيضاً، ولا معنى للشطر الأول:

     فقري عن رحالك ثم قولي/ على الإسلام والعرب السلام

     أما الأصل فواضح جداً:

     تعزّوا عن زمانكمُ وقولوا      على الإسلام والعرب السلام

·       وقال الكاتب الشهير في مقال آخر “أعود إلى السياسة، وهي ما قال أبو العتاهية: يسوسون الأمر بغير عقل/ فينفذ أمرهم ويقال ساسة/ فأفٍ للرجال وأفٍ/ من زمن رئاسته خساسة” وهنا أخطأ مرات. نسب البيتين إلى أبي العتاهية وهما لأبي العلاء المعري، ونقل البيتين خطأ فكسر الوزن، ولا يمكن أن يخطئ أبو العلاء في العروض. قال: يسوسون الأمر بغير عقل، والبيتان من الوافر ولكنه أخرجهما بأخطائه من دائرة البحور، وأصله:

    يسوسون الأُمورَ بغيرِ عقلٍ       فينفُذ أَمرُهم ويقالُ ساسَه

    وقال:

    فأفٍ للرجال وأفٍ/ من زمن رئاسته خساسة

    وأصل البيت:

    فأُفَّ من الحياةِ وأُفَّ منّي       ومن زمنٍ رئاستُهُ خَساسَه

·       وهذا كاتب مشهور آخر فاز ذات عام بجائزة أفضل مقال يومي ينقل بيتاً من الشعر فلا يكلف خاطره البحث عن الشاعر وصحة البيت، بل كتب: وكما قال شاعرنا الأندلسي:

    لولا ملوحة ماء البكاء     حسبت دموعي أنهارها

    ولو أنه أتعب نفسه قليلاً لوجد أن البيت لواحد من أشهر شعراء الأندلس هو ابن حمديس الصقلي الذي نشأ في صقلية ومنها استمد لقبه، ثم هاجر إلى الأندلس، ومنها إلى إفريقية. ونقل البيت خطأ، وكسر الوزن الشعري، فالبيت من البحر المتقارب، لكن الكاتب بما فعل أخرجه من دائرة المائيات عامة، وأصل البيت:

   ولولا ملوحة ماء البُكا       حسِبتُ دموعيَ أنهارَها

·       لا أرى مانعاً من لجوء الكاتب إلى اللغة العامية إذا أحتاج إلى كلمة “قوية” التعبير، ولم يجد لها مرادفاً في الفصحى، وفي هذه الحالة يشترط أن يضع الكلمة بين قوسين، كيلا لا يختلط الأمر على القارئ ويحسبها من الفصحى، ولكن الكاتب ذا اللغة الرشيقة لجأ إلى العامية دون مراعاة هذا الشرط فقال “هنا الهناء وهناك التعتير” وسيفهم القارئ أنهما نقيضان، ولكن كلمات تعتير ومْعتــَّر (الميم ساكنة والتاء مشددة) وتْعتـَّر (التاء الأولى ساكنة والثانية مشددة) عامية، وحين يقارن بين الازدهار ونقيضه يمكن أن يورد البؤس أو التخلف أو الفقر أو الجمود، دون الحاجة إلى هذه الكلمة المغرقة في عاميتها اللبنانية والسورية.

·       قرأت مقالة فيها “فالحصاد تمّ، ووقت الرجاد حان، وسيقوم الجميع برجد حصاده إلى البيدر؟” والبيدر كلمة فصيحة وهي المكان الذي يجمع فيه القمح وغيره ليداس لفصل الحب عن القش ومنه المثل “حساب الحقل لم يطابق حساب البيدر” أي إن الناتج لم يوافق المتوقع، فماذا عن رجد والرجد والرجاد؟ الرجْد غير صحيحة، لكن الفعل رجد والمصدر الرجاد صحيحان، نقول: رجَدَ الرجل رجاداً أي نقل حصاده إلى البيدر. ولا داعي لأن أسأل عن أصل الكاتب فهو بلا أدنى شك ابن فلاحين أو ابن منطقة ريفية زراعية.

·       كان الكاتب يتحدث عن “كلبة” متهمة عند الشرطة بأمر ما فقال “اعتقلوها، وأخذوا نسخة عن بصمات حوافرها”، وصحت: يا للمصيبة، لا يعرف هذا الكاتب الفرق بين “الكلبيات” وهي فصيلة من الثدييات من اللواحم، وتشمل الكلب والذئب وابن آوى وغيرها، و “الحافريات أو ذوات الحافر” وهي فصيلة أخرى تضم الحمار والحصان والبغل وغيرها. هذه معلومات يعرفها طلاب الأول الثانوي.

·       قال أحد الكتاب “وأعابوا عليَّ نشر الصورة” والخطأ الذي لا يجوز أن يقع فيه مبتدئ هو استخدام فعل “أعاب” فليس في المعجم الصحيح مثل هذا الفعل، بل هو “عاب” وهو فعل يأتي لازماً ومتعدّياً، فتقول: عاب الشيءُ أي صار ذا عيب، وعبته أنا وعابه عيباً وعيَّبه وتعيَّبه إذا نسبه إلى العيب، وجعله ذا عيب. ورجل عيّاب كثير العيب للناس.

·       في “أخبار الحمقى والمغفلين” لابن الجوزي أن أحدهم قال لآخر: كل شيء في النحو فهمته إلا هذا الذي يقولون: أبو وأبا وأبي، فقال الآخر: يا لـُكـَع، إذا كان الرجل من عِلية القوم قالوا: أبا، وإذا كان من أواسطهم قالوا: أبو، وإذا كان من أدناهم قالوا: أبي (اللكع: الصغير العقل والعلم) ويبدو أن صاحبنا الكاتب ذا اللغة الرشيقة اتبع هذا المبدأ، فقال في مقالته: من هو ومن أبوه، لكنه في العنوان قال: إحزر من هو ومن أباه، فما الذي جعله ينتقل من “أبو” إلى “أبا”؟ وبالمناسبة فعل “حَزَر يحزُر ويحزِر حزْراً” ونستعمله كثيراً في العامية فعل فصيح، وهو المعرفة بالحدس، فتقول: أنا أحزر هذا الحقل بكذا وكذا. ويقول العامة: كم هذا يا حِزْرَك؟ وهو قول فصيح سوى أنهم غيروا حركات الأحرف.


هوامش

1

جـزى الـلـه الشـدائـد كلَّ خيـر

عرفت بها عدوي مِن صديقي

2

إنهـا محـنة يـمتحـن الـلـه بهـا صبـرنا وإيماننـا وتلاحـمنا ووحدتـنا وتعاطفـنا وتراحمنا وقـوة عزيمتنا في مواجهة الشدائد … إنها فتنة .. والفتنة نائمة لعن الـلـه موقظها.

3

قال الإمام الشافعي:

ولـرُبَّ نازلة يـضيـق بهـا الفـتى

ذرعاً، وعـند الـلـه منها المَخرجُ

ضاقت، فـلما استحكمت حلقاتـُها

فُـرجت، وكنـت أظنها لا تُـفـرَجُ

 4

نتمسك دائماً بالوحدة العربية وقبلها بالوحدة الخليجية، ولكن على الآخرين أن يبرهنوا على إيمانهم يهذه الوحدة، هل تذكرون قصة الشيخ الذي طلب من كل من أبنائه أن يكسر حزمة من العصي، فعجزوا، فلما فرقها وأعطى كل واحد عصا كسرها بسهولة:

تأبى الرماح إذا اجتمعـن تكسُّراً

وإذا افـترقــن تـكـسَّـرت أفـرادا

5

الحكومة للشـعب كالأم الرؤوم لأولادها، تحبهـم، وترعاهم، وتحميهم .. ويقابلونها حباً بحب، وولاء وطاعـة في مقابـل الرعايــة والحـمايـة والأمـن والأمان، وهـكذا كانت القيادة القطرية والشـعب القـطري، وما زالا، ولن يتغـيرا .. فـإذا كان أحد يراهـن عـلى أنه يسـتطيع أن يدق إسفيناً بين الإثنين، فليفق من أوهامه.

6

قـيل للأحنف بن قـيس سـيد تميـم وحكيمها وحليمهـا: ممّن تعلمت الحِلم ؟ قال : مِن قـيس بن عاصـم. جاؤوه بابنه مقتولاً وابن أخيه مكتوفـاً، فـقال لـه: يا ابن أخي بِئسَ ما فعـلت، أثِـمـتَ بربـك، وقـطعـت رحمَـك، وقلـَّـلـْت عـددَك، ورميتَ نفسَـك بسـهمك.

 7

تمتحن الشـدائد الرجـال والعـزائم، وليس كمثل النار تكشف المعادن، وقد نجد بعض ضعاف النفوس، ولكن نار المحنة تكشفهم، فلا يستغلن أحد المحنة لتحقيق مكاسب، فإن الـلـه يغضب عليه، والشعب والقيادة له بالمرصاد.

8

قد تأتيك الطعنة من العدو الصريح أو المستتر، ولكن الطعنة من الأخ الشقيق أقسى:

وظلم ذوي القربى أشـدُّ مضاضـة

على النفس من وقعِ الحُسامِ المهندِ

9

يتوهـمـون أننا ســنركع جائعـين. صحيـح أن اسـتيـراد بعـض المـواد أرخـص من إنتاجهـا، ولكنـنا نـتذكر مقولـة جـبران “ويلٌ لأمـة تأكل ممّـا لا تزرع” ولعلـّنا نـتعلم درسـاً من هـذه الأزمة: أننا يجب أن ننتج ما يكفي ويفيض عن الحاجة. قد تقوم الحكومة بهذا، وقد يقوم به القـطاع الخاص، وقـد يتعاونان، ولكن! يجب أن يدرك الجـميع أن الحصار لم يحقق أيّاً من أهدافه.


جميع الحقوق محفوظة 2012 ©
iDream theme by Templates Next | Powered by WordPress