رجل كاد أن يكون رسولا

هل سمعتم باليوم العالمي للمعلم؟ هل سمعتم بنشاطات واحتفالات واحتفاليات أقيمت في الخامس من أكتوبر/ تشرين الأول، وهو اليوم الذي اختارته الأمم المتحدة يوماً عالمياً للمعلم؟ وإذا افترضنا أن شيئاً من هذا تحقق، فما مدى تأثيره وامتداده؟ هل نكتفي بمقال في جريدة، واجتماع هنا أو هناك، تلقى فيه كلمات طنانة رنانة تشيد بدور المعلم وأهمية هذا الدور، ثم تعود حليمة إلى عادتها القديمة في إهمال هذا الرجل؟ إن أهمية أي عمل أو وظيفة تتجلى في البريق الذي يحيط بهذا العمل ومدى جذبه للأجيال الصاعدة، واليوم يحلم شبابنا وشاباتنا جميعاً بأن يكونوا نجوماً في الغناء والتمثيل وإلى حد ما في كرة القدم.

هل تذكرون تلك الأيام القديمة التي كان الطالب يُسأل فيها عما يريد أن يكونه في المستقبل، فيقول: “طبيب أو مهندس أو محامي أو مدرس أو ضابط” اختفى بريق هذه المهن كلها ما عدا الطبيب، فجميع الأطفال يريدون أن يكونوا مغنين أو ممثلين، وأول مهنة سقطت من أحلام الصغار كانت مهنة المدرس / المعلم، لأنها مهنة تقتضي من صاحبها العمل الدؤوب والبحث والتطور، دون مردود اقتصادي واجتماعي يذكر.

كان المسيح عليه السلام يلقب “المعلم” واتفق أهل الفكر والفلسفة والمنطق على أن “أرسطو” المعلم الأول، وقالوا إن “الفارابي” المعلم الثاني، واختار المأمون عالم اللغة الفرّاء ليعلم ابنيه النحو، وذات يوم انتهى الدرس وقام الفرّاء، فتسابق الولدان في تقديم نعليه إليه، ثم اتفقا على أن يقدم كل منهما نعلاً، وبلغ ذلك المأمون، فقال للفرّاء في مجلس: من أعز الناس؟ فقال: ما أعز من أمير المؤمنين، قال المأمون: بلى، من إذا نهض تقاتل على تقديم نعليه وليا عهد المسلمين، فقال: لقد أردت منعهما، فقال المأمون: “لو منعتهما عن ذلك لأوجعتك لوماً وعتباً، وألزمتك ذنباً. ما وضع ما فعلاه من شرفهما، بل رفع من قدرهما، وبيّن عن جوهرهما، فليس يكبر الرجل عن تواضعه لسلطانه ووالده ومعلمه، وقد أعطيتهما عشرين ألف دينار لما فعلاه، ولك عشرة آلاف درهم على حسن أدبك لهما”. وقد أحسن شوقي الإحسان كله في بيت خالد:

قـمْ للمعـلـّم وفـِّه التـبـجـِيـلا

كاد المعلم أن يكون رسولا

إن الاعتناء بمُدخلات التعليم: بالمعلم وتكريمه، بالمكان / المدرسة، بالكتاب المدرسي، خطوات ضرورية لنجاح العملية التعليمية، وتعطينا مُخرجات صحيحة، وبغير نجاحها لن تكون لدينا أجيال تستحق لقب “أجيال المستقبل” نترك شعلة التقدم في أيديها، ونحن واثقون أن هذه الشعلة لن تنطفئ، بل ستزداد توهجاً، وعندها نقول إننا نسير في الدرب الصحيح.


كثيراً ما نقرأ

·             هذه الصفة شائعة جداً بين الناس مثقفيهم ومتعلميهم وعامتهم “شيق” ويصفون بها أشياء وأموراً كثيرة: وقد كان حفلاً شيقاً، إن حديثك شيق، هذا البرنامج الشيق (إذاعي أو تلفزيوني)، هذا المقال (أو القصة أو التحقيق الصحفي) شيق، حضرنا ندوة شيقة، ويقول ناقد: هذا كتاب شيق .. وهكذا. هذا كله خطأ لأننا نعني أن الحديث أو الحفل أو القصة أو البرنامج ممتع يجذب الناس، وأن فيه عناصر التشويق. قال المتنبي:

ما لاح برق أو ترنم طائر      إلا انثنيت ولي فؤاد شيّقُ

وقبله بقرون قال أبو زبيد الطائي المتوفى سنة 41هـ/661م:

من مبلغٌ قومنا النائين إذ شحطوا      أن الفؤاد إليهم شيّق ولِعُ

   شاق إليه شوقاً “والجمع أشواق” بمعنى “اشتاق اشتياقاً”. ونقول أيضاً: شاقني وشوّقني: أي هاجني فتشوَّقت. ونقول: شاقني حسنها وذكرها: أي هيّج شوقي. ونقول: شاقني وجهها فهو شائق وأنا مشوق. ونقول: اشتاقه واشتاق إليه بمعنى واحد. والشيِّق: المشتاق، والمشوِّق: ما يبعث الشوق أو يهيجه.

والفعل “شاق” من أفعال الأضداد، فنقول: شاق إليه بمعنى اشتاق إليه. ونقول أيضاً: شاقه الحسن، فيكون الفاعل “شائق” والفاعل من اشتاق “مشتاق” وقد جمع ابن الرومي (221 ـ 283 هـ/836 ـ 896م) الفعلين معاً:

يضحي إلى بذل السدى والندى        وهو مَشُوق القلب مشتاقُه

أشتاق اللغة الناصعة الجميلة، وأنا مشوق أبدي لسماعها نقية على الألسنة، وأجدني في كل حين شيقاً إليها، وأنا كما قال شوقي:

لَو يُجازى المُحِبُّ عَن فَرطِ شَوقٍ        لَجُزيتُ الكَثيرَ عَن أَشواقي

·       وكثيراً ما نسمع  كلمة “ممنون” بمعنيين: الأول بمعنى شاكر، فيقول قائل “أنا ممنون له لأنه وقف إلى جانبي” والثاني: “أشكرك ولا أريد” كأن تدعو أحداً إلى طعام أو شراب أو غيره، فيقول “ممنون” أي إنه يمتنع، ولكنه يشكر لك دعوتك، والغريب أنه  يضع يده على صدره، ولا أعرف معنى هذه الحركة.

   روّج الإعلام وبعض المتأدبين كلمتي “ممتنّ” و”امتنان”. والأولى اسم فاعل من فعل “امتنّ” والثانية مصدر من الفعل نفسه، وكل هذه الاستعمالات خطأ، بل تؤدي عكس المقصود. هذه الكلمات وأخرى كثيرة نستعملها في كلامنا وفي كتاباتنا، تعود إلى جذر واحد هو “المنّ” أو إلى فعل واحد هو “منّ” وفي الأصل يعني قطع. و”المنين” الحبل الضعيف. وحبل “منين” إذا قدم وتقطع، ويقال أيضاً “رجل منين” أي ضعيف، كأن الدهر منّه، و”المنة” بضم الميم القوة. و”منين” تعني القوي أيضاً، فهي من كلمات الأضداد. و”المنون” الموت.

وتقرأ (أو تسمع): “عبّر المشاركون عن جزيل الشكر والامتنان” أو “وكان ممتنّاً (بتشديد النون) لتلقيه المساعدة” وهم يقصدون الشكر، لكن هذا خطأ.

ممتن” و”امتنان” من الجذر نفسه، وهو “منّ” كما أسلفنا (بتشديد النون). ومنّ عليه: أحسن وأنعم، والاسم: المنّة (بكسر الميم). و”منّ عليه وامتنّ وتمنن” قرّعه بمنّة. وقد ورد فعل “منّ” منفرداً أو مع أحد الضمائر ست عشرة مرة في القرآن الكريم.

ووردت كلمة “ممنون” أربع مرات، ودائماً مقترنة بالأجر كقوله جل ثناؤه “وإن لك لأجراً غير ممنون” (القلم 3) وجاء في التفسير: غير محسوب. ومعناه أن الـلـه سبحانه لا يمن عليهم فاخراً أو معظماً كما يفعل بخلاء المتنعمين، وقيل: غير مقطوع، من قولهم: حبل منين، إذا تقطع. نستنتج من هذا كله، أن كلمة “ممنون” لا تعني ما نرمي إليه عندما نستعملها.

نأتي إلى كلمة “امتنان” وهي مصدر “امتن” وقلنا إن “امتنّ يمتنّ امتناناً” (ودائماً بتشديد النون) تعني “قرّعه بمنّة” فكيف استقام القول “خالص الشكر والامتنان”؟ ولم يرد الفعل ولا المصدر في القرآن الكريم، ولكنه ورد كثيراً في الشعر العربي، كقول ابن الرومي:

لكمْ علينا امتنانٌ لا امتنان به    وهل تَمُنُّ سماوات بأمطار؟

ولو قالوا “بالغ الشكر والعرفان” لكان أفضل. و”العرفان” يعني العلم، أي إننا نشكر لكم صنيعكم، ونقرّ به، لأننا نعرفه، كقول الفرزدق:

يكاد يمسكه عرفان راحته   ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم

·       وكثيراً ما نسمع أو نقرأ كلمتي “داهم و مداهمة” فمثلاً “داهـمـت قوات الاحتلال الإســرائيلي قـريـة ” و “قامـت قـوات الشــرطة بمـداهـمة أوكار العصابة” و”قتل شرطيان وأربعة من المدنيين في مداهمة” وهذا كله خطأ.

المداهـمة مصدر من الفعـل الرباعي داهَم: داهـم يداهم مداهـمة، مثل: صالح مصالحـة، أو نازل منازلة، أو بايع مبايعـة، ولكن فعـل “داهم” غـير صحيح والفعل الصحيح هـو “دَهَـم” يدهَم دهْماً. ودهَم الأمرُ الرجلَ: “غشِيه وفاجأه”. قال عَدِيّ بن الرِّقاع العاملي المتوفى عام 95 هـ/ 714م:

        إن يدهَمـوا يَطِـدوا بالصبر أنفسَـهـم      ولن يقوم لهم في الحرب من دَهَموا

الـدَّهْم مصدر فعل دهَم كما رأينا، لكن الدهم تعني أيضاَ العدد الكثير، وجيش دَهْمٌ أي كثير. وجاءهـم دَهْـمٌ من الناس أي كثير. قال الشاعر وأتى بالفعل بصيغة الماضي والحاضر، كما أتى بالدهوم وهي جمع الدهم:

        جئنا بدهم يدهم الدُهوما     مجْرٍ كأن فوقه النجوما

والدَّهْماء: الجماعة من الناس. يقال دَخَلْتُ في خَمَرِ الناس أي في جماعتهم وكثرتهـم، وفي دَهْماء الناس أَيضاً مثله، قالت ليلى بنت طريف الشـيبانية في رثاء أخيها الوليد بن طريف الذي كان من رؤوس الخوارج، وكان قد خرج أيام الرشيد فقتله سنة 179هـ:

       فقدناك فقدان الربيع وليتنا      فديناك من دهمائنا بألوف

وصارت الدهماء حديثاً تعني الجماعة غير المنظمة، قال المعري:

        وتَـغَـشّى دهْـماءَنـا الـفـَيُّ لـما       عُطِّلت من وُضوحِها الدَّهماءُ

وقد تقـترب الدهماء في هذا المعـنى من الغـوغاء، والفـرق بينهـما أن الدهـماء تعني الكثرة فحسـب، أما الغَـوغاءِ فـأصلها الجَـرادُ حيـن يخِـفُّ لـلطَّـيران، ثم اسـتعـير للسَّفلةِ من الناسِ والمُتسـرِّعـين إلى الشـرِّ، ويجـوز أن يكون من الغـوْغاءِ الصوتِ والجَـلـبـةِ لكثـرة لغَـطهـم

وصِياحهم.

·       ونسمع ونقرأ كثيراً “وأطاح به انقلاب عسكري” وقالوا إن الصحيح “أطاحه” لأن الفعل يتعدى بنفسه وليس بحرف الجر، والأصل فيه “طاح” هلك وسقط وذهب، أو أشرف على الهلاك. والأقوى “طوّحه وطوّح به”: ذهب به ههنا وههنا. و”تطوّح”: ذهب وجاء في الهواء. لكننا نجد في المعجم “أطاح ماله وطوّحه” أي أهلكه، وهكذا نستنتج أن “أطاح” بمعنى “طوّح” وبما أن طوّح يتعدى بالباء فنقول “طوّحه وطوح به” فإن أطاح يمكن أن يتعدى بنفسه، ويمكن أن يتعدى بالباء، فنقول: أطاحه وأطاح به.

·       يظن بعض الناس أن قولنا “الشاعر إيليا أبو ماضي” خطأ، وكان يجب القول “إيليا أبي ماضي” لأنه مضاف إليه مجرور، واسم “أبو” من الأسماء الخمسة التي ترفع بالواو وتنصب بالألف وتجر بالياء، لكن المتفق عليه هنا أن “أبو ماضي” صار اسم علم، وبالتالي لا تتغير صيغته حسب موقعه من الجملة. دعونا نتذكر أن أبو ظبي أكبر الإمارات العربية المتحدة، ولا نقول: جاءت أبو ظبي في المرتبة الأولى، و: زرت أبا ظبي مرة واحدة، و: في طريقي إلى أبي ظبي، بل نوردها “أبو ظبي” دائماً.

 


آخر الحروب

عندما أعلن الرئيس السادات عام 1977 أن حرب أكتوبر 1973 ستكون آخر الحروب بين العرب وإسرائيل، لم يكن مفوضاً من الدول العربية الأخرى باتخاذ هذا القرار، وفي خطابه أمام الكنيست الإسرائيلي نفى أن يكون يسعى إلى سلام منفرد بين مصر وإسرائيل، لكن هذا ما حدث في اتفاقية “كامب ديفيد” التي وقعها مع مناحيم بيغين في 17/9/1978. وكذب السادات حين قال إنه لم يشاور أحداً من “إخوانه” قادة الدول العربية، فقد زار السعودية وسورية ولقي في الدولتين رفضاً حازماً للفكرة.

هل كان السادات يرجم بالغيب؟ لا نعتقد ذلك، ولكنه كان يقرأ توازن القوى بين العرب وإسرائيل، وأدرك أن خروج مصر من “الصراع” سيجعل من المستحيل أن يستطيع العرب الآخرون محاربة إسرائيل، وهذا ما تحقق، والمضحك المبكي في الأمر أن الذين رفضوه، عادوا يتفاوضون مع إسرائيل دون “شروط مسبقة”، وعندما أعلنوا “جبهة الصمود والتصدي” أخفقوا في تعويض غياب مصر، لأنهم لم يكونوا مهيئين لحمل هذه المسؤولية، ولم يعملوا بجد لتقوية تلك الجبهة.

كتبت آلاف المقالات عن حرب أكتوبر التي مرت ذكراها الرابعة والأربعون، ولكنها مقالات وليست بحوثاً جادة موثقة. ما زالت الأسرار مدفونة: هل صحيح أن مسؤولاً مصرياً كبيراً أبلغ إسرائيل بموعد الحرب وخطتها؟ من هذا الجاسوس الذي لم يكن أشرف مروان وكان هذا عميلاً مزدوجاً؟ هل صحيح أن إسرائيل تلقت تحذيراً من أعلى المستويات لكنها ظنت أن الأمر خدعة؟ لماذا أوقف السادات الهجوم مختلفاً مع رئيس الأركان سعد الدين الشاذلي؟ هل كان السادات يريدها حرب “تحريك” لا حرب “تحرير”؟ وما حكاية “ثغرة الدفرسوار” التي قال عنها السادات حينها إنها “شوية دبابات وحنطلع نصيدها”؟ لماذا تدفقت القوات الإسرائيلية إلى غرب القناة وإذ بنا نجد الجيش المصري الثالث محاصراً ومهدداً بالفناء جوعاً؟

ما زلنا حتى الآن لا نفهم ما حدث، ربما بعد ست سنوات حين تكمل عامها الخمسين يتم الإفراج عن الوثائق، ونقرأ دراسات جدية مفصلة عن أسرار هذه الحرب، وربما إذا توفر قدر من الحرية والديموقراطية يسمح للباحثين بالتخلي عن الخوف المزمن من السلطة وتأليف كتب تشرح ما حدث.

لكن هذا كله لا ينفي أن ما تحقق في أكتوبر كان شيئاً عظيماً، فهل بالإمكان استعادة تلك الروح .. روح أكتوبر؟ جاهد العرب حق الجهاد “بأموالهم وأنفسهم” فهل نتوقع مثل هذا يوماً؟ وصل العرب إلى ذروة من التضامن لم تتحقق من قبل ولا من بعد، فهل نجرؤ على أن نحلم بالوصول إليها؟ إن تضامننا الآن كله أننا قدمنا “مبادرة السلام العربية” ورفضتها إسرائيل.


الانفصال والرحيل

مرت قبل أيام وفي يوم واحد 28 سبتمبر ذكرى حدثين مهمين في تاريخ العرب الحديث، انفصال “الإقليم الشمالي” عن الجمهورية العربية المتحدة عام 1961، ورحيل جمال عبد الناصر للقاء ربه عام 1970، وكأن القدر اختار اليوم الذي انتهت فيه الوحدة بالانفصال، لتنفصل روح قائدها عن جسده.

لم تعمر “الوحدة” طويلاً، ثلاث سنوات وسبعة أشهر وستة أيام، ولكن كثيرين يرون أنها عـمرت أكثـر مما يجب، لأنها كانت تحمـل في داخلهـا بذور انتهائهـا، نظـراً للاختلافات الكبيرة بين الشعبين المصري والسوري، وبين نظامي الحكم في البلدين، حتى في المناهج التعليمية. وإذا كانت أي وحدة عربية لم تقم في التاريخ إلا بقوة السلاح، فإن هذه لم تشذ عن القاعدة، فقد فرضها ضباط الجيش السوري (وأغلبيتهم بعثيون) على السياسيين في سورية، وأولهـم الرئيس شـكري القوتـلي. وأخطأ عبد الناصر عـندما فرض الحكم الفردي الأمني، وألغى الأحزاب، وأمم الصحافـة، وقـضى على كل حراك مجتمعي، ولذلك لم يكن غـريباً للمراقب الذكي أن يرى الجماهير التي “بايعت” عبد الناصر دون أن تراه، وحملت سيارته بمن فيها على الأكتاف، تخرج هي نفسها لترقص في الشوارع فرحاً بالانفصال.

مات ناصر عام 1970 بعد أن حكم مصر حاكماً فرداً ثمانية عشر عاماً، وكرسته شخصيته القيادية والظروف التي كانت تمر بها المنطقة زعيماً وقائداً للأمة العربية. وإذا كانت الجماهير قد خرجت عام 1967 بمئات الآلاف تطالبه بعدم الرحيل، فإن هذه الجماهير كان يجب أن تصير ملايين وعشرات الملايين بعد رحيله، فلماذا لم يستطع “الناصريون” أن يحافظوا على هذا الزخم؟ لماذا لم يستطيعوا أن يكونوا حزباً قوياً يفرض رأيه في الشارع ووعي الناس؟ لماذا لم يستطيعوا أن ينجحوا في أي انتخابات جرت في مصر؟

لقد مات ناصر عام 1967 حبن انكسر وانهزم الجيشان المصري والسوري خلال ست ساعات. انكسر الصنم، وتبين للناس أن هذا القائد “الفذ الملهم الخالد” لم يقدهم إلا إلى الدمار والهزيمة، وأن الآمال التي علقوها عليه وعلى من معه سقطت خلال الحرب، وأنهم خدعوا طويلاً، وأن الشعارات البراقة لم تكن أكثر من كلمات ووعود خدروهم بها طويلاً، وزال أثر المخدر بصدمة الهزيمة. عاشوا سنوات طويلة في انتظار المعركة و”النصر القادم” وفوجئوا بالهزيمة البشعة، ولا تشفع له الإصلاحات التي أجراها في مصر، ولا الإنجازات التي حققها.

سئل الروس مرة بعد 1990 عن أفضل فترات دولتهم، فأجابت الأغلبية “فترة بريجينيف” (1977-1982) ولكنهم عندما سئلوا عن استعداهم للعودة إلى تلك الفترة أجابوا جميعاً بالنفي “لا يمكن أن نتخلى عن الحرية”.


ما زال الحلم حلماً بل تراجع

منذ طفولتنا حلمنا بالوحدة العربية، وتعلمنا نشيد “بلاد العرب أوطاني” قبل أن نتعلم النشيد الوطني، وعلمونا أن نرفض مصطلح “العالم العربي” ونفضل عليه مصطلح “الوطن العربي”. منذ طفولتنا انشغلنا بتحرر العرب، وتطوع كثيرون للقتال مع الثوار الجزائريين، ولست بحاجة لأن أذكركم بالشهيد “جول جمال” في العدوان الثلاثي على مصر. ويحسب كثيرون الدعوة الى الوحدة العربية والإيمان بحتميتها أمراً جديداً، ظهر مع الأحزاب القومية وعبد الناصر بعد ثورة يوليو 1952، ولكن هذا الاعتقاد خاطئ، فلقد آمن عرب كثيرون – لاسيما في سوريا – بهذه الوحدة ودعوا إليها قبل هؤلاء.

ونقرأ للزعيم الوطني السوري الشهير الدكتور عبد الرحمن الشهبندر مقالة نشرها في 22-2-1933 يدعو فيها الى الوحدة، ويبرر ضرورة قيامها، ويتخيل قوة الدولة التي يمكن أن تنشأ عن هذه الوحدة، بل إنه يضع بعض الخطوط العريضة لبدايتها ومسيرتها، فيرى أنها تقوم على وحدة العقيدة، والتاريخ المشترك، وتماثل العادات والتقاليد، ووحدة اللغة.

ونلاحظ أنه يقول «القطر السوري» وقد ظن كثيرون أن هذا المصطلح من نتاج أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات، ولكن المقالة تؤكد أنهم كانوا قبل أكثر من ثمانين  سنة يصرون على استخدام كلمتي «قطر» و«أقطار» لأنها أمة واحدة. ويشرح الشهبندر الخطوات التي كانوا يتصورونها للوحدة في الأقطار المتقاربة ثقافياً واجتماعياً (ومتى تألفت «الولايات العربية المتحدة» الأولى من الأقطار المتجانسة كانت النواة التي تتجمع حولها الولايات اللاحقة،) ويصر هذا الزعيم الوطني على اللغة والثقافة والمعرفة.

«وبديهي أنه لا بد للناطقين بالعربية قبل أن يتمكنوا من التحالف السياسي، أن ينشروا الثقافة الحديثة بينهم، وأن يقرؤوا التاريخ في ضوء النهضات القومية الحديثة، وان يتزودوا بالعلوم المادية والمعنوية التي تزودت بها جميع الأمم التي شقت طريقها إلى الحرية والاستقلال» ويقول:

«لقد سئمنا أن نبقى حتى الآن عالة على غيرنا، ولن تأتي هذه الثقافة الجديدة إلا اذا تضافرنا وضممنا مواهبنا وميزاتنا وعزائمنا بعضها إلى بعض »

وهكذا نجد الأسلاف يبحثون عن دولة مبنية على العلم والثقافة الحديثة «تفك قيدنا، وتخرجنا من السجن الضيق، وتعيد مجدنا، وتجعلنا أمة أهلاً للأمانة التي تحملها في عنقها»

استقلت «الأقطار» العربية كلها، وتعلم أبناؤها، وانتشرت فيها الجامعات والمعاهد، ويفترض أنها اكتشفت أفضل السبل لوحدتها، ولكنها ما زالت أبعد عن تحقيق هذا الحلم من عبد الرحمن الشهبندر ورفاقه في أوائل القرن العشرين، وجربنا الوحدة مرة ففشلت، فتراجع الحلم أكثر، وما من تجربة وحدوية قربتنا من الوحدة المنشودة. اتحدت أوروبا التي خاضت حربين عالميتين أهلكتا الأخضر واليابس، وما زلنا متفرقين.


كثيراً ما نقرأ 10

·       قرأت مـؤخراً هـذه الجمل، وكثيراً ما أقـرأ وتقرؤون أمثالها: ينظر الأوروبيون لنا نـظرة فوقـية، وذات يـوم وصل لـه طرد كبـير، وأرســل له رسـالة تـتضـمن رداً قاسـياً، تحولت إحدى الكنائس إلى سـوبر مـاركت وأخـرى لمتجـر زهـور أو متجـر كتـب، وعادت منبج لـواجهـة المشـهد، تنتمي للجيل الثاني، واستمعت لأحاديث مطولة.

ما المشـترك بين هـذه الجمـل كلهـا؟ إنه حـرف “اللام” جاء بعـد فعـل متعـدٍّ. حروف الجر ميدان واسـع في اللغة العربيـة، ولكل حرف منها معانٍ كثيـرة حسـب اسـتعماله، حتى إن منهـا ما لـه خمسـة عـشـر معنى، لكن “اللام” ليس بين معانـيهـا المعنى الوارد في الجـمل السابقة. صحيح أن الحروف تتبادل الأمكنة، كما نقول: رضي الـلـه عنه، وأصلها: رضي الـلـه عـليه، ولكن حرف “اللام” لا يحل محـل “إلى” وهو الحرف الذي كان يجـب أن يأتي في الجمل السـابقة: عاد إلى، نظر إلى، أرسـل إلى، وصل إليه، انتمى إلى. وحـدها الجملة الأخيرة تحتمل الوجهين: استمع إليه، واستمع لـه.

·        يكثر الكتاب والمحررون من هذه الصيغة “في الوقـت الذي …. إلا أن … أو: غير أن ..” كأن تـقـرأ “في الوقـت الذي تـطبـق فـيـه قـوات التحـالف عـلى المـوصل، إلا أن داعـش لم يسـتسـلم” وتلاحظـون ركاكة التعبـيـر، أو تـقرأ ” في الوقـت الذي … غير أن الحوثيـين ما زالوا” وهذا تعبير ركيك آخر.

مبحث الاسـتثناء في النحو العربي طويل ومتشـعب، وأشـهر أدوات الاسـتثناء “إلا وسـوى وغير وخلا وعدا وحاشـا” وأشـهرها “إلا”. لكن ركاكة الجملة التي أوردناها مثالاً لا تحمل معـنى الاسـتـثناء، فـإذا أعـدنـا ترتيـب كلمـات الجـملـة تـصيـر على النحـو التـالي “ما زال الحوثيون يـواصـلون عـدوانهم في الوقـت الذي تسـعى الأمم المتحدة إلى إحلال السـلام في اليمن”. وفي الجملـة الأخرى “ما زال داعـش يواصل القـتال وعـمليـات التـفجير في الوقت الذي تطبق فيه قوات التحالف على الموصل” فأين الاستثناء؟

·       قليلاً ما أقرأ هـذه الكلمة “تسـعير” وربما لم أقرأها منذ سـنوات، كما قال كاتب “إن من شأن هذه التحركات تسـعير الأزمة بين البلدين” وقبل هـذا نعرف أن كلمة “تسـعير” تعني تـقدير السعر أو الثمن، وهي كلمة متداولة كثيراً في العاميـة، ولكنها فـصيحة صحيحة. واستخدام كلمة “تسـعير” في الجملة السـابقـة يبين بلاغة اللغة العربيـة وقوتها، فالأصل: سـعر (بفتح العين) النار وسعرها (بفتح العين المشددة) أوقدها وهيجها، ونار سعير: نار مسعورة. وقد وردت كلمة “سـعير” معرفـّة ثماني مرات في القرآن الكريم، كقوله تعالى في سـورة الملك “وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السـعير” ووردت ثماني مرات أيضاً نكرة منونة “سـعيراً” كقوله تعالى في سورة الأحزاب “إن الـلـه لعن الكافرين وأعد لهم سعيراً” وهي بهذا المعنى مرادفة لجهنم، ويؤكد هذا ورود الفعل مرة واحدة مبنياً للمجهول في قوله تعالى في سورة التكوير “وإذا الجحيم سُـعـِّرت”.

وعلى ذكر التسـعير بمعنى تـقدير السـعر، نـتذكر كلمـة أخرى هي “التـثمين” وتعـني تقدير الثـمن، ونـلاحـظ أن الكلمتيـن بمعـنى واحـد لولا بعـض التـفصيلات، ، ومنـه فـعل “ثـمن” (بتشديد الميم) لكننا نقرأ في الأخبار: وثمن مواقف الدولة في دعم أشقائها، وأكره أن يكون لمواقـف الدولة ثمن، حتى لو أضافـوا إليها فصارت “وثمن عالياً مواقـف الدولة” والأفضل أن نقول: وقدر تقديراً عالياً مواقف الدولة.

ونـتذكر أيضاً كلمة أخـرى هي “التـقيـيم” وليسـت في اللغة القـديمة، بل يقال “تـقويم” وهذه تعـني شـيئين: تقويم العود ليصير مسـتقيماً، وتـقويم الشيء أي تـقدير قيمته، وأرى أن كلمة التقيـيم مناسـبة بمعنى تـقدير قيمة الشيء، وتبقى تقويم على حالها في تقـويم الأشـياء، ومنه قوم سلوكه (بتشديد الواو).

·       كتبت في 21 مارس / آذار عن عيد الأم مترافقاً مع بداية فصل الربيع أو ما يسـميه الفرس النوروز أو النيروز (وورث العرب عنهم ذلك)، وتمثلت بيتين من قصيدة للبحتري:

أتاك الربيع الطلـْق يختال ضاحكاً    مـن الحسـن حـتى كاد أن يـتكلـما

وقد نبـَّه النـيروز في غلس الدجى    أوائـلَ ورْد كـنَّ بـالأمـس نُــوَّمــا

ولقيني صديق أحبه وأحترمه فقال: أحسنت باختيار البيتين، ولكن البحتري قال “في غسق الدجى” وعد إلى الديوان. وعدت إلى الديوان في أكثر من طبعة، ووجدته يقول “في غلس الدجى”، وتلاحظون أن الوزن (البحر الطـويل) لا يتأثـر بتغيـير الكلمة، فالكلمتان كلتاهـما على وزن “فـَعَل” فأيهما الأصح؟

غسَـق الليل: ظلمته، وقيل أول ظلمتـه، وقيل: إذا غاب الشـفق. والغلس: ظلام آخر الليل، وقيـل: أول الصبـح حتى ينتشـر في الآفاق، أو هـو ظلمـة آخر الليل إذا اختـلطت بضـوء الصباح، وهنا نغلب الفكر على قواعد اللغة.

هل بدأ النيروز ينبه الورود منذ ظلمة ما بعد الشـفق (الغسـق)؟ وعـملياً يعد هذا الوقت من اليوم الذي يسبق النيروز، اليس الأصح أن النيروز بدأ منذ الصباح الباكر تنبيه الورد التي كانت نائمة وإيقاظها؟ وقيل إن النبي صلى الـلـه عليه وسلم كان يصلي الصبح بغلس، أي في ظلمة آخـر الليل. وبناء على هـذا نقول إن البحتري كان دقيقاً، وجعل النيروز يصحّي الورود في الغلس.

·       كثيـراً ما نـقرأ “على الرحب والسـعة” ويضعونهـا ترجمـة للقـول الإنجليزي You Are Welcome وأرى أنها ترجمة موفقة، ولكن ما معنى قولنا على الرحب والسـعة؟ وكيف تقرأ الكلمتان؟

الرُحب (بضم الراء): السعة، فهل هو تكرار للمعنى للتأكيد؟ ورَحب: واسـع، ورجل رحب الصـدر: واسـعه، وقال الـلـه تعالى في سـورة التوبـة “وضاقت عـليكم الأرض بما رحُبت” ولم يرد هذا الفعـل إلا مرتين بالصيغة نفسـها في سورة التوبة، والقول: مرحباً، مشـتق من الرحابـة، وهـو التـرحـيب، ومعناه: رحَّب الـلـه بك مرحـباً، ورحّـب به: دعـاه إلى الرحـب (بفتح الراء) والسعة، فالرَحب هو الواسع. والخطأ الشائع في هذا القول وغيره هو “السعة” (بـكسـر السـين)، والصحيـح: السَـعة (بـفتح السـين المشـددة) وهي نقيـض الضـيق، ووسُـع وسـاعة فهو واسـع ووسـيع. والسَّـعة أصلها وسـعة. أما القول وسِـع (بكسـر السـين) كقوله تعالى في سورة البقرة “وسع كرسيه السموات والأرض” أي اتسع لها.

·       قرأت في مقالة مؤخراً “فلم ينبز ببنت شفة” وهذا خطأ، والمعروف “لم ينبس ببنت شفة” ولم يرد الفعل إلا في حالة النفي، فما معنى نبز ينبز؟ “نبز” عير بلقب، ورجل نُبَزَة يلقب الناس كثيراً، والتنابز: التعاير بالألقاب، وهو ما نهى عنه تعالى “ولا تنابزوا بالألقاب” ونفهم الجملة كلها بمعنى لم ينطق بكلمة، أما “بنت شفة” فهي الكلمة، فما معنى نبس؟

نبس: تكلم وتحركت شفتاه بشيء، وهو أقل الكلام، و”النُبُس” (بضمتين فوق النون والباء): الناطقون. إذن القول “لم ينبس ببنت شفة” أي لم ينطق بأقل الكلام.  

 

    

 

   


الجائعون والمُتخمون

قال أبو ذرّ الغفاري رضي الـلـه عنه: عجبت لمن لا يجد قوت يومه، كيف لا يخرج على الناس شاهراً سيفه؟ إنها دعوة لأن يثور الجياع، ولكن الأمور تغيرت كثيراً يا سيدنا، فهذا الجائع لا يملك سيفاً، وإذا امتلكه قامت في وجهه قوى أكبر منه ومن أمثاله بملايين المرات. وفي العالم اليوم مئات الملايين من الجياع الذين لا يجدون قوت يومهم.

أوضح تقرير لمنظمة الأمم المتحدة عن وضع التغذية والأمن في العالم خلال العام 2017 أن عدد الجوعى في العالم يتزايد، وأشار إلى أن نحو 815 مليون شخص (11% من سكان العالم) يعانون الجوع المستمر. وأكد أن أغلب هؤلاء يعيشون في مناطق فقيرة في أفريقيا وآسيا، كما أن هناك نحو 155 مليون طفل يعانون مشاكل في النمو بسبب نقص الطعام، وأغلبهم يعيشون في مناطق تعاني من صراعات مسلحة. وأضاف أن هذه المؤشرات تقرع ناقوس خطر لا يمكن للمجتمع الدولي أن يتجاهله. وحذر التقرير من أن الهدف الذي حددته المنظمة العالمية سابقا بالقضاء على الجوع وآثاره على الأطفال ونموهم بحلول عام 2030 لا يمكن تحقيقه إلا بتوفير المزيد من الأموال وبذل المزيد من الجهد. وأوضح أن 52 مليون طفل يعانون الهزال، وأن عدد الجياع في آسيا بلغ 520 مليون إنسان وفي أفريقيا 243 مليوناً وفي أمريكا اللاتينية والكاريبي 42 مليوناً.

هذا عالم كاذب مخادع منافق، ولا صحة للتعاطف الإنساني وعطف الأغنياء على الفقراء. لن نتحدث عن المترفين الذين ينفقون عشرات الملايين ومئاتها على الحفلات والملذات، أو على كلابهم وقططهم، بل عن المتخمين الذين يهدرون من الطعام ما يكفي لإطعام هؤلاء الجياع وإنقاذهم.

تقول الإحصاءات إن 30% من الطعام يتم هدره سنوياً، وقدرته الأمم المتحدة بـ 1،3 مليار طن، وتقول الإحصاءات إن 2،1 مليار شخص يعانون من البدانة المفرطة وهذا يعني 30% من سكان العالم وقد تصل النسبة إلى 50% عام 2030. هذه البدانة تكلف العالم 73،8 مليار دولار سنوياً. 40% من هذا الهدر في أوروبا، ولكننا لسنا أبرياء.

تقول منظمة “الفاو” إن الشرق الأوسط هو الأعلى عالمياً في هدر الطعام، والمضحك المبكي أن دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تستورد سنوياً 39 مليون طن من القمح، ولكنها تهدر منها 16 مليون طن، أي 6 مليارات دولار، وهو ما يكفي لإطعام 70 إلى 100 مليون جائع، بل إن بعض هذه الدول تجاوزت المعدل العالمي لهدر الطعام الذي قدرته الأمم المتحدة بـ 400 مليار دولار سنوياً وقد يقفز إلى 600 مليار دولار بعد عشر سنوات.


عن 11 سبتمبر مرة أخرى

عندما أصدر الصحفي الفرنسي تيري ميسان كتابه “الخدعة الكبرى” عن أحداث 11 سبتمبر كنا نحن العرب أول مكذبيه، مع أن الكتاب في مجمله يبرئ العرب والمسلمين من المسؤولية عن تفجير برجي التجارة في نيويورك، وتبنينا الرواية الأمريكية التي تديننا، وما زالت توابعها تتوالى، وحسبكم قانون جاستا الذي يتيح للمحاكم الأمريكية مقاضاة أي دولة بتهمة دعم الإرهاب، وصدرت منذ ذلك اليوم قراءات شتى لما حدث، وتفسيرات كثيرة قدمها خبراء في الطيران والمتفجرات والمباني. وكان معظم مكذبي الكتاب يستندون إلى أن أسامة بن لادن اعترف بنفسه بهذا الهجوم الإرهابي.

  ففي شريط بثته قناة الجزيرة في 30 أكتوبر 2004، برر بن لادن ولأول مرة سبب إقدام القاعدة على توجيه ضربة للمباني المدنية في الولايات المتحدة بقوله” بعدما طفح الكيل بالمسلمين من إقدام إسرائيل على اجتياح لبنان سنة 1982، وما تفعله من أعمال إرهابية ضد المدنيين الأبرياء في فلسطين، وما تشهده الساحة الإسلامية من انتهاكات إسرائيلية حيال الشعب الفلسطيني، وما يراه كل العالم بأن أمريكا تساند وتبارك إسرائيل بما تفعله باحتلالها أراضي ليست حقًا لها لا في تاريخ ولا في حضارة”. وادعى “أن الرئيس الأمريكي مخطئ بتفسيره أن القاعدة مناهضة للحرية، إن القاعدة تقول الحقيقة التي قامت أمريكا دوماً بإخفائها”.

لكن بن لادن نسي أو تناسى تصريحاً له في زمن أقرب إلى زمن التفجيرات، ففي 28 سبتمبر 2001 أجرت صحيفة “أمت” (الأمة) الباكستانية اليومية حواراً مع بن لادن قال فيه: “إنني كمسلم لا يمكن أن أكذب، وأنا ليس لي أية معرفة بهذه الاعتداءات، والإسلام يحظر قتل الأبرياء أو إلحاق الأذى بهم.”

وأضاف بن لادن “إننا ضد النظام الأمريكي، لكننا لا نعادي الشعب الأمريكي” وقال “إن على النظام الأمريكي أن يبحث عن الذين دبروا الاعتداءات من داخله. إن الذين دبروا هذه الاعتداءات هم الذين يريدون أن يجعلوا هذا القرن، قرن الصراع بين المسيحية والإسلام، لكي تعيش دولتهم وأيديولوجيتهم، وهم يمكن أن يكونوا من روسيا إلى إسرائيل، ومن الهند إلى صربيا، وحتى داخل الولايات المتحدة هناك عشرات المنظمات والجماعات التي يمكن ان تكون قامت بهذا العمل، ولا تنسى أن اليهود الأمريكيين قد تضايقوا من الرئيس بوش بعد انتخابات فلوريدا، وأرادوا ان ينتقموا منه” وقال أيضاً “إن هناك حكومة داخل الحكومة في أمريكا، ويجب ان تُسأل الحكومة السرية عمن قام بتنفيذ هذه الهجمات”.

سحب العدد من الأسواق واختفى، ومنعت الحكومة الأمريكية وسائل الإعلام من نشر نص المقابلة، لأنها تنسف ادعاءاتها، فمن نصدق؟


ماذا يتبقى من العيد

من ذكرياتي القديمة – وأظن هذا ما زال سائداً – أننا كنا إذا خرجنا في تشييع ميت إلى مثواه الأخير، ترى الوجوه مكفهرة تغطيها من الحزن سحابة، لعل بعضهم كان يتصنع هذا، وكثيراً ما تسمع مع تنهيدة “هيييه …ما دام إلا وجهه الكريم .. دنيا فانية .. ماذا يأخذ الإنسان معه إلى الآخرة”

لكنهم ما إن يعودوا إلى بيوتهم وأعمالهم حتى يتصارعوا على هذه الدنيا الفانية. إنها رهبة الموت التي جعلتهم يتذكرون أن الآخرة خير وأبقى.

وليس هذا غريباً ولا جديداً، فقد مرّ أبو بكر الصديق رضي الـلـه عنه بحنظلة الأسدي وهو  أحد كتاب الوحي فوجده يبكي فقال: “ما يبكيك يا حنظلة؟” قال: “يا أبا بكر، نافق حنظلة” فقال الصدّيق: “وما ذاك؟” قال: ” إذا كنّا عند رسول الـلـه صلى الـلـه عليه وسلم، وقرأ علينا القرآن، وحدثنا عن الجنة والنار وذكّرنا، كنا كأنا نرى الآخرة رأي عين، ثم إذا رجعنا عافسنا الأولاد والنساء والزوجات فنسينا كثيراً” فقال الصديق “وإنّي لأجد ذلك” فذهبا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلمّا أخبراه قال (لو بقيتم على ما تكونون عليه عندي، لصافحتكم الملائكة في الطرقات وفي فرشكم وعند أهليكم، ولكن ساعة وساعة)

وها هو عيد الأضحى المبارك قد مرّ وانتهت أيامه، أعاده الـلـه على الجميع بالصحة والسعادة والخير واليمن والبركة، وهنيئاً لمن قام بواجبه ولبى نداء ربه، وحج بيت الـلـه الحرام، وقد يزيد ويذهب للسلام على رسول الـلـه صلى الـلـه عليه وسلم، نرجو الـلـه أن يتقبل صالح الأعمال. عيّد الجميع، أدوا صلاة العيد فاجتمعوا، وتبادلوا التهاني، حاول كل واحد أن يدخل البهجة على نفوس أهله وأولاده، تذكر الناس أشياء ربما كانوا قد نسوها، وصلوا الأرحام، وزاروا الأقارب، وجددوا الصداقات القديمة، وصفت القلوب في هذه المناسبة الرائعة، وحاول بعضهم ممن أفاء الـلـه تعالى عليه من رزقه أن تعم فرحة العيد الجميع، فواسى فقيراً، وساعد مسكيناً، ولذة العطاء أعظم من لذة الأخذ، وماذا بعد؟

هنأت صديقاً بالعيد وقلت: هذا موسم فرح، فقال: من أين يأتي الفرح؟ ألا ترى ما نحن فيه؟ قلت: أرى، فهل نقنط من رحمة الـلـه؟ نوسع على أنفسنا وأطفالنا، وننظر في عيونهم البريئة فنجد الفرح، نجدد العلاقات التي وهنت، وندعو الـلـه أن يفرج الكربة، ولكن علينا أن نرسخ ما فعلناه في العيد، ونجعله عادة. وصلنا الأرحام، وجددنا الصداقات، فهل نقطع الأرحام ونغفل عن العلاقات الاجتماعية بانتهاء موسم العيد؟ يجب أن نحاول أن يكون العيد بمعانيه السامية حاضراً أبداً في حياتنا.


الفرسان يغمدون سيوفهم

من حق المبدعين علينا أن نحتفي بهم ونحيي ذكراهم إذا تركوا دنيانا، لا أن نتركهم للنسيان، فهم النخبة وعصارة عبقرية الأمة، ومن الندرة بحيث أن الأمة قد تحتاج سنوات طويلة جداً لتعوض من نفقد منهم.

تحل غداً الذكرى الثلاثون لرحيل المبدع ناجي العلي، إذ انتقلت روحه إلى بارئها في 29/8/1987 بعد أن ظل في المستشفى إثر اغتياله بالرصاص في أحد شوارع لندن، وما زال المجرمون طلقاء، ولم يكشف سر الجريمة، لأن أحداً لا يريد له أن يكشف، فقد تصيب الشظايا أسماء كبيرة في عالم السياسة العربية، ولكن ناجي العلي ما زال من خلال “حنظلة” أكثر حياة من الأحياء.

وبعد غد تحل الذكرى الحادية عشرة لرحيل أديب الرواية العربية نجيب محفوظ الذي رحل في 30/8/2006 وهو العربي الوحيد الذي نال جائزة نوبل باستحقاق. وعندما طلب مني أن أقول كلمة بمناسبة وفاته كتبت “كلنا خرجنا من حارة نجيب” ولم أكن أشير إلى روايته المثيرة للجدل “أولاد حارتنا” وحدها، بل كنت أشير إلى زقاق المدق وخان الخليلي والسكرية وقصر الشوق وبين القصرين وغيرها، وما من كاتب قصة أو روائي عربي لم يتأثر بنجيب محفوظ قليلاً أو كثيراً، وإن اختط لنفسه أسلوباً مغايراً، فهل حظي ويحظى أبو الرواية العربية الحديثة بالاهتمام الذي يستحقه؟

وقبل أيام نعت الأخبار أديباً متعدد الاهتمامات وأشكال الإبداع، القاص والروائي والمؤلف المسرحي والسينمائي والتلفزيوني والإذاعي محفوظ عبد الرحمن الذي أعطى الأدب العربي عامة، والسينما والمسرح والتلفزيون بخاصة أعمالاً خالدة من أروع الأعمال طوال خمسين عاماً، وصدرت مجموعته القصصية الأولى عام 1967، بينما صدرت روايته الأولى 1972.

تعود معرفتي بالراحل إلى عام 1977 حين عرضت في دمشق مسرحيته الرائعة “حفلة على الخازوق” التي قدمها المخرج المبدع الراحل صقر الرشود عام 1975، ولاقت إعجاباً من الجمهور والنقاد على السواء، ولفتت المسرحية انتباه المسرحيين حيثما عرضت، وفي العام التالي قدم الثنائي الرائعة الأخرى “عريس لبنت السلطان”. ورحنا نتابع أعمال هذا المؤلف المغرم بالتاريخ ويعرف كيف يستخرج منه الكنوز.

في الثمانينات شكل مع المخرج عباس أرناؤوط ثنائياً رائعاً في أعمال تاريخية منها: عنترة، وسليمان الحلبي، وليلة سقوط غرناطة، وكتابة على لحم يحترق، والفرسان يغمدون سيوفهم، ومصرع المتنبي، وقد أتيحت لي فرصة الاحتكاك المباشر بالمؤلف والمخرج عندما عملت معهما مدققاً لغوياً، وتلك أيام لا أنساها. كان الراحل مثقفاً بحق، لا يتملكه الغرور، وكان طيباً مع الجميع، ويمتلك حساً كوميدياً فطرياً، وأستغرب أنه لم يكتب الكوميديا. كان محبوباً من الجميع، يحترمهم كلهم فيحترمونه.


جميع الحقوق محفوظة 2012 ©
iDream theme by Templates Next | Powered by WordPress