من كتاب ” مداعبات لغوية ” الذي يصدر قريباً

من الامثال العربية التي نتمثل بها، أبيات شعرية أو اشطر من أبيات، وقد قيل: ليس في الشعر العربي بيت مكتف بذاته كقول الحطيئة:

مَن يَفعَلِ الخَيرَ لا يَعدَم جَوازِيَهُ       لا يَذهَبُ العُرفُ بَين اللَهِ وَالناسِ

ثم قيل: بل إن كل شطر من هذا البيت مكتف بذاته.

ونرى أن كلا القولين خطأ.ففي الشعر العربي أبيات كثيرة مكتفية بذاتها، بل إن القصيدة العربية تقوم على «وحدة البيت» أي اكتمال المعنى في البيت الواحد دون الحاجة الى الأبيات التالية، وقد كانوا يعدون عيبا ًفي القصيدة ألا يكتمل المعنى إلا في بيتين او ثلاثة. ولكن هذا بحث آخر قد نعود اليه، وإن كانت أبيات القصيدة تتكامل لتوصل معنى كليا ًأراده الشاعر.

نعود إلى الأبيات أو الأشطر التي صارت أمثالا ًلما فيها من الحكمة بما يمكن التمثل به في كل مكان وزمان، وما المثل سوى كلمات حكيمة قالها إنسان ما تعليقا على موقف ما، فذهبت مثلا يضرب في كل موقف مشابه، وكثيراًما يحفظ الناس الشطر الذي صار مثلا ثم ينسون الشطر الآخر سواء كان صدراً أم عَجُزاً (الشطر الأول والثاني). من هذه الأمثال شطر من بيت شعري:

أسد عليّ وفي الحروب نعامة.

ويُضرب لمن «يتقاوى» على ضعيف ، ولكنه في مواجهة الشجعان والفرسان أجبن من نعامة، ويضرب بها المثل في الجبن.

والمثل صدر (الشطر الاول) من بيت قاله أحد شعراء الخوارج وهو عمران بن حطان ( المتوفى عام 84 هجري 703 ميلادي ) ويعود نسبه الى شيبان من بكر بن وائل، وكان من «الشـَّـراة» وهم الخوارج الذين شروا انفسهم ابتغاء مرضاة الله كما يزعمون، وكان من شعرائهم ودعاتهم والمقدمين في مذهبهم، وهو من «القعدية» ايضا (بفتح القاف والعين) وهم الخوارج الذين يدعون الى التحكيم ولكنهم لا يحاربون المسلمين، وقد شهد له الأخطل التغلبي في مجلس عبدالملك بن مروان بأنه أشعر من جميع من كانوا في المجلس وقال: لأنه قال وهو صادق ففاقهم، فكيف لو كذب كما يكذبون؟

ومناسبة الأبيات ان الحجاج بن يوسف طلب عمران بن حطان ولج في طلبه، وظل عمران يهرب من مكان إلى مكان إلى أن مات، وحدث أن «غزالة الحرورية» دخلت الكوفة ومعها شبيب، فتحصن منها الحجاج وأغلق عليه قصره، وسمع عمران بذلك فكتب إلى الحجاج (والابيات من البحر الكامل):

 أسَـدٌ عَلَيَّ وَفي الحُروبِ نَعامَــةٌ      رَبْداءُ تجفلُ مِن صَفيرِ الصافِرِ

هَلّا بَرَزتَ إِلى غَزالَة في الوَغى       بَل كانَ قَلبُكَ في جَناحَي طائِـرِ

صدعت غَــزالـة  قَـلبـَـهُ بِفَوارِسٍ       تَرَكـتَ مَنـابِـرَهُ كَأَمـسِ الدابِـرِ

أَلقِ السِلاحَ وَخـُذ وِشاحي مُعْصِرٍ       وَاعْـمَد لِمَنزِلـةِ الجَبانِ الكافِـرِ

وقد قرأت في احدى صحفنا المحلية عرضا ًلهذا البيت وتصويبا ًلاسم قائله، ولكن المحرر أخطأ في شرح كلمة «ربداء» فقال إنها تعني «جبانة» بينما عبر الشاعرفي البيت عن صفة الجبن بقوله «تجفل من صفير الصافر» أما كلمة ربداء فلها معنى آخر.

والنعامة الربداء أن يكون فيها سواد مختلط، وقيل هو أن يكون لونها كله سواداً. ويقال عن ذَكر النعام «ظليم أربد» ويقال عن النعامة ربداء ورمداء كلون الرماد. وقيل: الربداء هي السوداء، أو هي التي في سوادها نقط بيض أو حمر. وصفة «ربداء» قد تطلق على المعزى والشياه بالمعنى نفسه.

وبالمناسبة نتذكر أننا نقول: ارْبَدَّ وجهه اذا تغير من الغضب فصار كلون الرماد، ويقال: تربد (بتشديد الباء) وجهه كأنه اسودَّت منه مواضع.

ولهذا الشاعر أبيات من أجمل أبيات الشعر العربي ، غنى فيها المغنون في العصر الأموي ، وقد قالهــا ردا ًعلى الذين لاموه على عدم خروجه إلى القتال ، فكأنه يخشى الموت ويحب الحياة (والابيات من الوافر):

لـقد زادَ الحَيــاةَ إِلـيَّ حُـبـّــــــاً       بَـناتي إِنـَّـهُــنَّ مِن الضِـعـافِ

مَخافـَـة أَن يَرَين البُؤسَ بَعـدي       وَأَن يَشـرَبن َرَنـْقاً غَيرَ صافِ

وَأَن يَعْرَين إِن كُسِيَ الجَواري        فـتَنـبو العَينُ عَن كـَرَمٍ عِجافِ

فـلـولا ذاكَ قـد سَوَّمْتُ مُهْـري       وَفي الرَحـمنِ لِلضُّـعَـفـاءِ كافِ

أبانا مَن لـنا إِن غِـبْـتَ عَـنّــــا       وَصارَ الحَيُّ بَعدَكَ في اخْتِلافِ